الثلاثاء، 29 مايو 2012

تحية الصباح

سيداتي آنساتي سادتي، نبشركم بأننا قد دخلنا الآن مرحلة الحرب القذرة والسفالة السياسية واستعراض الجهل بمنتهى الفخر، إلى كل مثقف على وشك الإنقراض: لا تجادل الجهلاء ولاتنفعل لما ترى أو تسمع ولا تنساق إلى حيث يراد بك الإنسياق، برجاء ربط الأحزمة وتجنب أصحاب الإبتسامات الصفراء الواثقة، واتخاذ ما يتيسر من وسائل الحيطة والحذر، فنحن الآن سوف نخير ما بين خيارين كلاهما مر وقريبا سنحاسب على آرائنا هذه. عزيزي المثقف: لا تشرب الدواء الذي سوف يعرض عليك كعلاج وحيد ﻷزمة الوطن، الدواء فيه سم زعاف قاتل اشترك في صناعته أقذر وأحقر فئة بشرية أخرجت للناس بإخراج أقذر مخلوقات دويلات الخليج. لاتقلق فالجهلاء لن يفهمون كلمة واحدة مما تقرأ أنت الآن. والله الموفق.

تحليل ع الماشي

ما يحدث في مقر حملة الفريق شفيق اليوم لا يختلف إثنان على أنه نموذج حي للفوضى والجهل والغوغائية.
ولكن كل هذا يصب في نهاية الأمر في مصلحة الفريق شفيق! عندما يظهر للجميع أن الفوضى والغوغائية لهما عدو واحد هو الفريق شفيق، في توقيت أصيب فيه أغلب جموع الشعب المصري بالملل والضيق والاختناق من حالة الفوضى والتظاهر الغير مبرر والاعتصام الغير مفهوم وقطع الطرق وتعطيل المصالح. ولاحظ هنا أن أحدا لم يمس أي من مقرات الإخوان المسلمين بسوء رغم كثرتها، وبالتالي تكون النتيجة واضحة وهي زيادة أسهم شفيق لمواجهة الفوضى والغوغائية التي أعلنته اليوم عدوا لها!
أرجو ألا يغضب وشفيق وأهمس في أذنه ألا يحزن، فقد حرق معارضوك دعاية بقيمة 800 ألف جنيه وصنعوا لك دعاية بعشرات بل مئات الملايين، فاليوم سيشعر الشعب المصري العاطفي بطبعه بأنك تحارب من قوى الفوضى وأعداء الإستقرار وتهاجم من الغوغائية ورافضي الديموقراطية، وسوف يعطيك كل هؤلاء أصواتهم وسوف تحصل في الإعادة على أضعاف ما حصلت عليه في الجولة الأولى!
مبروك سيدي الرئيس! ولو كنت في موقفك اليوم لأقمت الليل بأكمله أتضرع إلى الله كي تستمر الحرائق بمقرك الإنتخابي حتى الصباح، فكل دقيقة تمر وشاشات الفضائئيات تنقل هذه الصورة تضاعف من أصوات مرشحيك!
كل الشكر لمتظاهري الفوضى وثوار الغفلة، خرجتم تنعتونه بالفلول فجعلتم منه ضحية وعدوا للفوضوين والغوغائيين وأكسبتموه تعاطف أغلب من عارضوه.
برافو
محمد سمير. الإثنين 28 مايو 2012 - 12 بعد منتصف الليل

ترانيم قصة قصيرة 2008





ترانيم

قصة قصيرة




محمد سمير





























كـلـمـة

لا يمكنني أن أعتبر هذه الصفحات بمثابة عمل أدبي بمعنى الكلمة..
ولكن...
هي أكثر بمثابة أفكار، أحلام، خواطر...
بعض منها قد أصبح اليوم بمثابة الذكرى...
والبعض الآخر لازلنا نحارب حفاظاً على وجوده...
البداية.. والنهاية .. وبعض أو كل ما بينهما، موجود بداخل كل منا....
وما علينا إلا أن نبحث...
وهكذا، أتمنى للقارئ رحلة ممتعة من البحث والإكتشاف بين سطور هذه الصفحات...

محمد...






























(1)

13\ديسمبر
عزيزتي السيدة \ نيكول بوتر

تحية عطرة؛

كما أشرت مسبقاً في رسالتي الأخيرة؛ أرفق إليك طي خطابي هذا؛ مذكرات صديق عمري، ورفيق دربي (لويس)، والتي قام بكتابتها قبل وقت طويل.
بعد كل هذه السنين، لازلت أجد نفسي بموضع المسئولية تجاه هذه الصفحات التي خطها صديقي بيده يوماً ما، ولازلت أحلم بأن تجد هذه المذكرات – يوماً – طريقها إلى النور، عبر نشرها من خلال دار النشر المحترمة الي تشرف برئاستك لها.
أكتب لكِ هذه الكلمات الآن وأنا أنتظر ردكِ بغاية اللهفة.
أطيب التنميات...

المخلص؛
(خوليو ل. آلابان)









(2)

إستغرق الأمر أكثر من أسبوع، كي أجد نفسي قادراً على كتابة ذلك الخطاب، ملايين الذكريات كانت تجول بخاطري، وتمرق بمخيلتي، قبل أن تتوحد كل هذه الذكريات سوياً مكونة وجهه الباسم، ينظر لي من جديد! لم أعد أقوى على الهروب مجدداً، وألم الندم يعتصرني، وكأنه عقاب مشدد على ذنب لم أقترفه بعمري قط، ولكن هل أنا حقاً واثق من ذلك؟ عمري الآن سبع وسبعون عاماً، وحيد، مشتت الذهن، ومريض، وفي الواقع الأمر أجدني متشككاً في حقيقة قدرتي على تذكر القصة بأكملها، فهل أنا قادر على ذلك حقاً؟

لقد أعطاني هذه المذكرات منذ زمن جد طويل، ولازلت لا أعلم لماذا اختصني أنا فقط بذلك؟ ولماذا قام بكتابتها من الأساس؟ لسنين وسنين عدة؛ كنت أقضي أغلب أوقاتي في تصفح هذه الأوراق، كنت أستمتع بالغوص بين هذه الكلمات رويداً رويداً، متوقفاً بتركيز فائق فوق كل حرف من حروفها.

للوهلة الأولى، ومع أول سطورها، تبدو كأي مذكرات أخرى لأي شخص في مثل عمرة، في ذلك الزمن. ولكنني لم أجد نفسي يوماً قادراً على التوقف عن قراءتها، حتى وإن بدت إعتيادية جداً للعديد من الأشخاص، أنا نفسي كنت قد كتبت شيئاً مشابهاً في صغري حين عشقت إبنة الجيران - تلك الفتاة الرقيقة بالمنزل المجاور، رباه..! لازلت أذكر ذلك، أظنني لم أنسه يوماً في واقع الأمر. ولكن قصة (لويس) كانت مختلفة! لقد كان أكثر الرجال الحالمين، والغارقين في الرومانسية حتى النخاع، ربما على وجه الأرض! ولكنني – أيضاً – دائماً ما رأيت أن ثمة أمر غير مستقر بشأنه، أمر لم أستطع تعريفه.
كان رجلاً رقيقاً، مهذباً، لم أره غاضباً أو ثائراً قط! حتى عندما سمع بأن معظم أصدقائنا كانه يرونه بمثابة المخبول!! كانت لديه دائماً فلسفته الخاصة...

-         عزيزي (خوليو)، دعهم يقولون ويرون ما يشاءون، لا أبالي، ومن يعلم؟ ربما كانوا على صواب، وربما كنت العاقل الوحيد هنا !!

آمن (لويس) بنفسه كثيراً، وأتبع أفكاره وفلسفته الخاصة طوال الوقت، لم يسمع أبداً لنصيحة أي ممن حوله، حتى أنا، أقرب أصدقائه، ولكنه كان دائماً ما يرفض ذلك بلطف شديد، لدرجة كانت غالباً ما تجعلني غير قادر حتى على معاتبته، وعلى النقيض، ربما شعرت بالرضا في بعض الأحيان إزاء رفضه هذا...

ثلاث وسبعون صفحة هي كل ما أملك من مذكرات (لويس) الآن، ربما كانت أكثر فيما سبق، ربما كانت أقل، لا يهم، ولكنه كان دائماً هناك، بين صفحاته، يجول باسماً هنا وهناك، أراه واقفاً على أعتاب إحدى الكلمات وقد عكف على تعديل أحد أحرفها، أو إزالة الصدأ والأتربة عن أحرف أخرى، أستطيع أن أراه! أتحدث إليه خلال قراءتي اليومية، بصوت مسموع في بعض الأحيان، ودائماً ما يشاركني الحوار ويبادلني أطراف الحديث، أتهمنتي زوجتي يوماً بأن مذكرات صديقي قد صارت بمثابة الكتاب المقدس بالنسبة لي! ولا شئ سواها!

- خوليو... فقط تخيل... ماذا لو كان (نيتشه) محقاً؟ ماذا لو أن الله هو فقط نظرية فلسفية أخرى، حتى ولو آمنا باهميته، ولكن فقط كنظرية!

كان قد أطلق على مذكراته إسم (إبتسامة عذراء) وأحياناً أخرى كان يطلق عليها (ترانيم)، ويتوجب علي أن أقر بأنني قد أعجبت بالعنوان الأول منذ اللحظة الأولى، لقد كان ذلك هو الإسم السري لفتاته التي هام عشقاً بها: (آنابيل)، من هي (آنابيل)؟ هذه حكاية طويلة، في الواقع هي مذكرات (لويس) من الأف إلى الياء! يا إلهي... أظن أنني سأبدأ قراءتها مجدداً، حسناً... مطالعة جديدة لن تكون مضرة...

هذه هي الصفحة الأولى....


(3)

إسمي (لويس)، وفي حقيقة الأمر لم أجد بداية أفضل من ذلك لمذكراتي !! خصوصاً وأنني لست مهتماً بإيجاد البداية المثلى والأكثر جذباً للقارئ، نظراً لأن هذه الصفحات سوف تظل في الأغلب مهملة، باقية طي النسيان.

عمري سبع وعشرون عاماً. لست بشاعر مشهور، أو سياسي عظيم، أو مفكر جليل، ولكنني أجد لدي إرادة حرة تدفعني لتدوين مذكراتي اليومية دون أن أحمل أي صفة من تلك الصفات! وما قد يكون دون ذي قيمة لدى البعض، قد يكون مفيداً جداً للبعض الآخر...

اليوم وجدتها... تلك الفتاة التي حلمت بها طيلة عمري... كانت تقف هناك... كعصفور صغير بلله المطر، فسكن غصناً جافاً، وبعينيه لهف البحث عن المأوى. تبتسم كما لم يبتسم بشر من قبل، إبتسامتها خجلى، وكأنني أرى بعيني الإبتسامة للمرة الأولى في حياتي... تسطع كبريق البرق بليلة مظلمة. عندما إبتسمت، أرسلت كل الأشياء والموجودات إلى خارج إطار الصورة، فلما يبق إلا هي، وإبتسامتها... شفتيها الباسمة، تجولان وتوزعان الفرحة والسعادة على كل من كان هناك... أين؟ كان محلاً لبيع الزهور، هي إذا تعمل هناك، ولثوان لا أذكر عددها، نسيت سبب قدومي إلى هذا المكان! كنت – كعادتي - أسدي معروفاً لصديقي (خوليو)! أراد أن يبتاع باقة زهور مميزة لفتاته، ولكنه يصر على أنني الشخص الأمثل للقيام بذلك المستحيل: إنتقاء باقة من الزهور لتحوز إعجاب فتاة. كان مصراً على أنه يفتقر لهذه الموهبة النادرة... وكان دليله على ذلك إعجابة البالغ بباقة الزهور التي أهديتها لصديقةٍ سابقة يوماً ما...

ولكنها كانت هناك، أنا حقاً ممتن لك يا عزيزي (خوليو)، رأيتها عبر زجاج النافذة الموصدة، تقوم بتحضير باقة زهور لأحد الزبائن، ولا أصدق أنني شعرت بالغيرة! ولكنني فعلاً شعرت! لكم وددت أن أكون في موقعه، أنعم بدفء إبتسامتها العذراء، عن قرب... وأن أقترب أكثر إليها، شيئاً فشيئاً، ألمس شفتيها البكر بشفتي، معاتباً إياها بقبلة عطشى، إذ لم تشرق بحياتي قبل اليوم، أين كانت؟ وكيف لم ألقاها قبل اليوم؟ ولكن... هل هي خالية القلب مثلي، هل تعشق أحداً ما؟ أرجوك يا إلهي، لن يكن عدلاً أن تفعل ذلك بي ...

غداً، سأتحقق من ذلك... ولكنني لن أفارقها حتى الغد، سأراها اليوم في نومي، سأرجوها ألا ترحل، وسأرجو الغد ألا يجئ...!









(4)

اليوم، قررت أن أراقبها بعد أن أنتهت من عملها بمحل الزهور، وسرني أن ذهبت مباشرة إلى منزلها، لم أستطع التأكد مما إذا كانت تحيا بمفردها أم لا، ولكنني قررت أن أكون هنا صباح الغد، في الصباح الباكر، أريد أن أتفقد منزلها بعد أن تغادر حتى أتأكد من كونها بمفردها أم لا...!
أشعر بقلق بالغ.....
أشعر أنني متوتر...

يبدو لي ( غداّ ) وكأنه شئ بعيد جداً، ولكن على أي حال سأقضي بعض الوقت مع (خوليو) اليوم، سيضيع هذا بعض الوقت... لديه مشكلة ما مع الفتاة التي يحبها! ما الجديد في ذلك؟ يريد مني مساعدته! ما الجديد في ذلك أيضاً؟ ولكن هذه المرة يريد مساعدتي بأن أتحدث بدلاً منه !! يريدني أن أقنعها بما لم يقو هو على إقناعها به! أخبرته أن الفتيات لا يشعرن بالراحة حيال ذلك، ولا يحبون ذلك... رجوته أن يعفيني، ولكن توسلاته أجبرتني، لدي ثمة شعور ما بالمسئولية تجاه ذلك الشاب!!

أنا أحب (خوليو)، ولكنني أراه ضعيفاً، يواجه مشكلة حقيقية حين تحين لحظة إتخاذ أي قرار مصيري، مهم، أو مؤثر! (خوليو) لا يقيم كلمة (حرية) بقيمتها الحقيقية، ولا أظنه يدرك ماهية هذه الكلمة بكافة معانيها ومفاهيمها، لا يرى الحرية كما ينبغي أن يراها. على أية حال، على أن أذهب الآن، آملاً في أن أكون قادراً على الكتابة غداً...
.........
.........
.........
.........
يا إلهي... الوقت يمر ببطأ....
كم أكره ذلك....



(5)

حتى هذه اللحظة، لم يكن (لويس) قد أطلعني على أي شئ مما كان يدور بقصتة الجديدة، ودار بيننا فيما بعد حوار طويل حول رأيه بشخصي عندما واجهني به ذات يوم، كان عنيداً كعهدي به، عندما كنت أناقشه أي من أرائه...

تغير (لويس) كثيراً في الأيام التي تلت هذه الأحداث، بدأ يقضي أغلب أوقاته وحيداً، بمنزله أحياناً، وأحياناً حيث لا يعلم أحد، ربما كان يطارد فتاته مجدداً! ومنذ ذلك الوقت بدأ أصدقائنا يلقبونه بالسيد غريب الأطوار، لماذا لم يحزنني ذلك؟ لا أعلم! كان ذلك توصيفاً حقيقياً لحالة الوحدة والعزلة غير الإعتيادية التي أختارها لنفسه... راودني قلق حقيقي بشأنه إذ بدا كمن يمر بأوقات صعبة، ولكنني لم أكن أعلم أن الأوقات الصعبة بحياة (لويس) كانت فقط على وشك أن تبدأ...

لم أكن بقادر على توقع أي نهاية لقصة (لويس)، حيث أنه كان عقلانياً في أغلب الأوقات، حتى وإن بدا عليه عكس ذلك خلال أي من مناقشاتنا الجدلية حول أي شئ، وربما كل شئ...

كان (لويس) شاباً شديد الحساسية، كانت لديه موهبة ما، وإن كنت لا أعرف ماهي! كان شديد الوله بأعمال (إدجار آلان بو) وغموضه، وكان يجد أمانه الشخصي بين نغمات (بيتهوفن) الموسيقية، أحب (بيتهوفن) كثيراً، وكان مهتماً جداً بحياته الشخصية، وقصة حبه الغامضة، وخطاب الغرام الغامض الذي عثر عليه بغرفة (بيتهوفن) بعد وفاته، كان (بيتهوفن) قد كتب هذا الخطاب قديماً، ولكنه لم يرسله يوماً ولم يعنونه، فظل غامضاً لم يفك أحد رموزة حتى الآن... كان (لويس) يحفظ ذلك الخطاب عن ظهر قلب، وكأنه ينتظر اليوم الذي يخاطب فيه محبوبته بنفس هذه الكلمات والمعاني، ولا أذكر عدد المرات التي ألقى فيها على مسامعي هذا الخطاب!

آمن كثيراً بـ (بوذا) في فترة – أو ربما فترات - من حياته، في حين كان (أفلاطون) و (سارتر) يحظيان بمكانة المعلم الأكبر لديه...

في الصفحات القادمة، سأسمح لنفسي بالقفز بين الصفحات، من حدث إلى حدث، ومن قصة إلى أخرى، متفادياً بعض التفاصيل التي أشرت إليها بالفعل، وبعض السطور التي لا أحب أن أقرأها...!


 (6)

فتاتي تحيا بمفردها! لا أب ولا أم، لا أخ ولا أخت، مؤسف جداً، ولكن المهم هو أنها بلا زوج أو حبيب! يا إلهي ، ربما هي أكثر المرات التي أشعر فيها بالإمتننان نحوك، هذا – فقط – إن كنت موجوداً !

أميرتي الجميلة، قلبك بلا عشق حتى الآن، وهي فرصتي، حتماً سأقتحم بوابات عالمك الخاص في أي لحظة، ولكن... هل يتوجب أن أضع خطة ما لذلك؟ أعتقد أن أفضل خطة هي: لا خطة ...!

أقصر طريق بين أي نقطتين في الكون هو أن نرسم خطاً مستقيماً بينهما، لطالما آمنت بذلك، وقد حان وقت تطبيقه...

أنا لا أعلم لها إسماً حتى الآن!! تبدو لي كمن يمكن أن يطلق عليه إسم (آنابيل)!! لا يوجد ما يمنع من أن أناديها بذلك الإسم، أنا حر في أن أناديها بما أشاء!!

ما هي الحرية؟

الحرية ليست كلمة أو تعبير سياسي، كثيراً ما ناقشت ذلك مع عزيزي (خوليو)... الحرية بالنسبة لي هي: تعبير عام وغير محدود عن كل ما هو خاص بأي منا... مشروع كان أو غير مشروع.. واقع كان أو حلم.
التنفس حرية... الحب حرية... الجنس حرية... الدموع حرية... لكن أي من ذلك لا يمكن أن يعد بمثابة صورة من صور الحرية ما لم يكن محاطاً بإطار حقيقي من الحرية! هذا الإطار هو حرية الفكر والتعبير... حرية العقل... التي تخلق حرية الإرادة، وبالتالي: الحرية الحقيقية...

(خوليو) يحب فتاة ما، وهو على يقين تام بأنها ليست فتاة أحلامه! وربما كان لديها - هي - نفس اليقين، ربما كان لديهما بعض الأحلام والمشاريع المستقبلية المشتركة، وربما يتشاركان بعض الاهتمامات، ولكن هل يكفي ذلك؟ أهذا كل شئ؟!

هل يمكن أن نشكل من قبولنا بواقع ما نحيا، بديلاً مناسباً لأحلامنا الصعبة المنال؟

......!؟




(7)

- لماذا لازلت تدور في نفس الدائرة المفرغة من الأفكار المكررة، والتي أعدتها شرحاً وتفسيراً مئات المرات؟ (لويس).. هل أنت على مايرام؟ أنا قادر على إستيعاب حقيقة أنك تحب! وأود من كل قلبي أن أساعدك.. ولكن... لا يمكنك أن تلوم العالم بأكمله – طوال الوقت – لأنك اكتشفت يوماً ما أن أحلامك مستحيلة! كان يجب أن يكون لديك بعض البدائل، أحلام بديلة! مثلي أنا ...!

- مثلك أنت؟ لابد وأنك تمزح (خوليو)! أعتذر عن لهجتي، ولكنك لم يكن لديك يوماً حلماً حقيقياً واحداً! أنت فقط تحلم – برغبتك – بما تراه متاحاً أمامك، وربما أمام الجميع! ولكنك تمتلك شجاعة نادرة في أن تشعر بنشوة تحقيق نصر زائف، وأن تحتفل بالتغلب على مصاعب لم تكن موجودة من الأساس... تستطيع أن تظهر سعادتك بتحقيق حلم كان متاحاً أمام الجميع منذ اللحظة الأولى!

- (لويس)، أنا فقط أقول ما أقول الآن لأنني قلق بشأنك، هذه الـ (آنابيل) تأخذ الكثير منك، وكأنها تمتصك إلى عوالمها يوماً بعد يوم، وكأنها كائن مخيف يتغذى على معاناتك وآلامك، إنها إذ تأخذ، فهي تأخذ ما تأخذ من حياتك أنت.. متى كانت آخر مرة طالعت فيها وجهك بالمرآة؟ أنت تختفي من حولنا يا (لويس)، وكأنك تنتقل تدريجياً إلى عالم آخر، أصدقاؤك يسألون عنك طيلة الوقت ولا يستطيع أي منهم أن يجدك! هم حقاً يفتقدونك...

- حقاً؟ يفتقدونني... ولكنهم يرونني مخبولاً في نفس الوقت. أتصدق تلك الهراءات؟ الصداقة مجرد خرافة! باستطاعتك أن تكون أقرب أصدقاء نفسك، ولا أحد آخر، لا أحد يستحق...

- إذاً فهو دوري أنا الآن لتلومني؟ أولسنا بأصدقاء الآن؟ أهذه هي نتيجة مناقشتنا؟ أنا لن ألومك... فأنت لست (لويس) الذي أعرفه... أنت شخص آخر... حقاً أفتقد (لويس) صديقي... أفتقده...

- واجه نفسك (خوليو)، هل نحن أصدقاء؟ أجبني (خوليو)، أجب نفسك، هل نحن فعلاً أصدقاء؟؟!







(8)
من أنا؟
إذا أردت أن تعرف شخصاً ما، عليك أن تعرف ماذا يقرأ... ما هي الموسيقى التي يفضل الإستماع إليها... ما هي الألوان التي يفضلها... من هو شاعره المفضل... من هو مثله الأعلى؟
ولكن... من هو مثلي الأعلى؟
ليس لي مثل أعلى!
أنا أقرأ – تقريباً – كل شئ... أستمع إلى كل أنواع الموسيقى... أحب كل الألوان... (إدجار آلان بو) هو أحد الشعراء المفضلين بالنسبة لي... قضيت وقتاً طويلاً في قراءة الكتب السماوية... كل الكتب السماوية... التكرار كان مملاً ومضجراً... أحياناً أظن بأن الله قد تعامل معنا طوال الوقت كمجموعة من الحمقى! الذين هم بحاجة دائمة إلى سماع نفس التعاليم ألف مرة على أمل أن يستوعبون بعضها في المرة الواحدة بعد الألف... ولكن إذا رآنا الله حمقى، فمن يتحمل مسئولية كوننا كذلك؟ هو من خلقنا كما يشاع!!

كافر؟ هل يستطيع أي شخص أن يجزم بكفري؟ هل هناك أية إمكانية لأن أكون الأكثر إيماناً بين الجميع؟ ولكنني فقط في إنتظار معجزة! هلى يمكن أن يكون الإيمان بفلسفة (بوذا) كافياً لجعلي كافراً؟

الموسيقى... أرى أنها شئ ينشأ ويبدأ بداخلنا، في الأساس هي شئ يجب أن نشعره... أنا لدي الموسيقى الخاصة بي! وأعتقد بأن كل شخص لديه موسيقاه الخاصة... أستطيع أن أشعر بموسيقتي الخاصة، وأن أستمع إليها حين أرى حبيبتي (آنابيل)... ولا أكن متأكداً إذا ما كانت هذه الموسيقى مسموعة أم لا! إيقاع دقات قلبي يصبح مرتبكاً كراقص جديد في أول دروس الرقص! وأسمع أنفاسي وكأنها ترانيم قديمة مألوفة، وأشعر وكأن هذه الترانيم قادمة من عنان السماء، وأسمع صوت خطواتي في خلفية هذه الموسيقى كطبول حرب باتت وشيكة... فعلت منبهةً جموع المحتشدين بقرب مشرق أنوار أميرتهم المحببة، لتبارك الجنود المغادرين إلى الحرب. تلك هي موسيقاي حين أراكي حبيبتي من جديد، وتجمعني وإياكِ لحظات صمت وشرود على ضفاف شفتيك، حتى ألتقي تلك الإبتسامة العذراء مجدداً... كم كان (بيتهوفن) فعالاً بحق في سبيل الوصول إلى هذه النقطة من السعادة والنشوة.

هل كان من المهم أن يكون لدي مثل أعلى؟ ليكون لي قدوة أتبعه؟
كان هناك إناساً أثروا كثيراً في حياتي، وتركوا بنفسي علامات مضيئة، بدون أدنى قدر من محو الهوية المتخفي بثوب التوجيه والإرشاد... والد (خوليو) كان أحد هذه العلامات في حياتي...

هل كانت هذه إجابة مقبولة عن السؤال المسطور بأول هذه الصفحة؛ من أنا؟؟!



(9)

" أنا نفسي، مررت خلال نفس العملية التلقائية، الوجود الذي آمنت به، له تكوين مختلف في حقيقة الأمر.
لدي إسم، تاريخ، ذكريات، أفكار، عواطف، وأحلام، ولكنني حين أنظر صوب كل ذلك بنظرة أكثر عمقاً، أجد أنهم كانوا فقط أوهام وتخيلات...

ما أنا باحث عنه هو شئ لم أفقده قط، فيما يتعلق بي، وفيما يتعلق بأي شخص آخر... لم يكن هناك شئ أستدعى أن أقاتل بشدة من أجل تحقيقه... جميع الأطروحات والنظريات التي بمكن أن تنسجها وتصنعها عقولنا، هي من حيث الجوهر: فارغة!

مثل قطرة مطر، تمتزج بالمحيط المترامي الأطراف، ومثل سحابة تختفي بالسماء، بعد ان ولدت وماتت في نفس هذا الفضاء.

بحثي هو فقط عن الحقيقة، وسوف لن أبرح مجلسي تحت هذه الشجرة قبل أن أجد طريقي إلى التنوير..."

(بوذا)




(10)

هل بمقدورنا أن نخفي الحب؟
الحب مثله كمثل أي أيمان، لديه الأجنحة ليطير، ويحلق عالياً، أعلى من كافة الحدود الغبية التي صنعناها لنقيد بها أنفسنا، ولكن، هل حقاً ينبغي علينا ذلك؟ هل معاقبة قلوبنا بهذا الضغط المتواصل والغير محتمل، هو الحل المناسب لما يخص مشاكلنا المرتبطة بالواقع؟

ما الذي نحاول الهرب منه؟
العقلانية؟ أم الفشل؟ أم الحقيقة؟

الحب...
هل هو نقطة الوصل ما بين عالمين مختلفين؟
العالم الحسي والعالم الروحي؟
أم أنه إتصال بين حياتنا اليومية الدنيا، والعالم المثالي بكل ما يحوي من إستقامة وسمو؟
هل يمكن أن يكون الحب شيئاً مختلفاً عما أشعر به تجاه (آنابيل)؟
أريد أن أعرف... أتوق للحصول على المعرفة... أكثر من أي وقت مضى...!


"المعرفة الحقيقية هي الحادثة التي لا يمكن أن تنقلها إلى الآخرين، وبمجرد أن تعرف: لن تكون قادراً على فعل المزيد من الأخطاء"
(أفلاطون)



(11)

من هو (لويس)؟

ببساطة: قوة وطاقة من التمرد، غير محدودة وغير موجهة...!
عطش دائم للمعرفة...!


(12)

اليوم، رأيتك في حلمي... وكان الحلم ملئ بالغموض والتشويش، كنتِ هناك، بموضع غير بعيد خلف سحب صغيرة، وكان الضباب يحيط بكل شئ، كأم وقد ضمت إلى صدرها وليدها الرضيع، كنت أسير الهوينى، أقترب نحوك، كنت عارية، تنظرين لشئ ما بالأعلى، لم أدرك هوية ما تنظرين إليه... عندما نظرت إليكِ، لم أستطع رؤيتك بوضوح، لكنني شعرت بدفئك أكثر من أي وقت مضى، في الواقع شعرت بحرارة تلفحني بسخونة أكثر من كونها مجرد دفء، حرارة آخذة في التزايد، دقيقة تلو الأخرى، صار الأمر مؤلماً... كنت أقاوم هذا الألم، أقاوم وأقاوم وأنا أقترب صوبكِ، أظنني قد لمست جسدك الرقيق بالكاد، حين بدأ (خوليو) يظهر بنعومة وبطء بين السحب، أظنه كان في واقع الأمر سحابة، سحابة أخرى ولكنها تحمل وجه (خوليو)، وشعرت بألم صدمة غير متوقعة، وغير مألوفة، كان أمراً مؤلماً بحق، ولكنني لم أبعد يداي عنكِ، كنت أقاوم الألم، أحاربه حفاظاً على هذا الإتصال، وفي خضم تلك الآلام، لاحظت للمرة الأولى جناحين صغيرين وقد ظهرا بوضوح خلف كتفيكِ، كانا جناحيكِ أنتِ، وعندما بدأتِ الطيران، بدأت ألحظ أنني أسقط بين هذه السحب، ولكن السحب كان لها ملمس رخو رطب، كنت أسقط، ولكن الهواء من حولي كان في غاية الرقة والنعومة، وخلال ذلك، بدأت أسمع تلك الأصوات من جديد، تلك الترانيم التي طالما رنت بأذني حين رأيتك كل مرة، موسيقاي الداخلية، أصوات القلب تتغنى من جديد، وكأنها تزف سقوطي من فوق السحب، وبالتدريج، بدأت هذه الترانيم تتخذ صوتاً آخر، وكان لها وقع مختلف في نفسي هذه المرة...


 (13)

ظل (لويس) قلقاً وحائراً بشأن حلمه هذا لفترة طويلة، الغريب بالأمر أنه كان قلقاً بشأن (آنابيل) أكثر من قلقه بشأنه هو! بدأ يشعر بأن ظهوره بحياتها قد يجعل حياتها أسوأ مما كانت عليه، حاول أن يوقف زياراته اليومية المتكررة إلى حيث تعمل، لكنه فشل...
بعد يومين، أخبرني أنه قد زارها اليوم، ولكن شيئاً بصوته بدا لي مختلفاً عن ذي قبل، كان في غاية السعادة، ولكن... لسبب ما، شعرت بالخوف، كنت قلقاً عليه أكثر من أي وقت مضى...




(14)

- علينا أن نتحدث...
- فليكن...
- (آنابيل)...
- ماذا عنها؟
- أحبها ...
- حسناً، لديك دوماً إرادة حرة لفعل ما تريد، أنت لا تعبأ بي وبأي شئ، أنت فقط تتبع أحلامك الخاصة، ماذا بعد؟
- أريد مساعدتك...
- ظننتك قادراً على أن تصنع قدرك بيديك...!
- كف عن لومي أرجوك، كلانا يعلم أنه لم يكن يوماً خطأي...
- يمكنك أن تواصل إنتظار المعجزة التي طالما تحدثت عنها... ربما تحدث... من يدري؟!
- أهذا كل ما لديك؟
- .............
- أريد مساعدتك!
- أنت بحاجة إلى أن تساعد نفسك، ولست بحاجة إلى مساعدتي..!
- ولكن أنت... من المفترض أنك تعلم الحقيقة... عني، وعنها، وعن كل شئ... أنت المسئول هنا ولا أحد غيرك، وقد حان الوقت لأن تمنحني معجزتك، ليس عدلاً أن تختص بها الرسل فقط، أنا أستحقها...!
- وأين ذهب إيمانك بنفسك؟ أين ثقتك بنفسك؟ أين بددت طاقتك وقوتك؟
- أشعر بالضعف...
- (لويس)، إسمع يابني.. إذا...
- دعوتني بـ ( يا بني)؟
- أستطيع أن أناديك بما أشاء، وسوف تجيب ندائي أياً كانت صيغته... لا تنسى أنني خلقتك...!
- أنت خلقتني، وقد آمنت بك يومً ما، نحن اذا متعادلون...!
- حاول أن تجد نفسك، أنت تقف هنا، في هذا النفق الرطب المظلم، تشعر بوحدة، وضياع، وأراك تواجه ذلك بميول عدوانية صوب كل شئ، ولكن إعلم أنك لست أول من يقف هنا، في نفس موضع قدمك، وقف كثيرون وكثيرون، البعض ضل وواصل ضلال طريقه، والبعض عثر على بقعة ضوء قادته إلى حقيقة الأمر.. إعلم أيضاً أنك لست آخر هؤلاء... لست بقادر على تغيير حلمك إذا كنت تحسبني قادر على ذلك، عليك أن تقبل هذه الحقيقة الوحيدة...
- أحلم بحبيبتي (آنابيل) كل ليلة، نفس الحلم يعاودني في كل مرة، ودائماً ما أسقط...
- عند نهاية هذا النفق، ستجد حقيقة أمرك، ستعثر على نفسك، وعلى الحقيقة التي طالما بحثت عنها، فقط أملك الإرادة لأن تسير هذه الأمتار القليلة، أملك الشجاعة، المكان جد مظلم هناك... سأنيره لك، ولتعلم أن هذه معجزتي لك، تذكر يا (لويس)، هي الأولى والأخيرة...
- أنت لا تساعدني مجدداً... لقد سئمت ذلك... لا أستطيع أن أفعل ذلك... ساعدني ولو لمرة... أغثني... لا أحد غيرك يمكنه ذلك... أغثني... أغثني...
- ....................

-         (لويس)... أفق (لويس)... إهدأ... أنت تحلم مجدداً... أهو نفس الحلم؟ السقوط مرة أخرى؟
-         من أنت؟
-         أنا (خوليو) يا عزيزي، جئت لأطمئن على حالك اليوم... أهو نفس الحلم؟
-         كلا...
-         ماذا رأيت، (آنابيل) أيضاً...
-         أصمت يا (خوليو)...
-         ماذا رأيت؟
-         كلاهما لم يكن حلماً.....



(15)

اليوم، رأيتكِ... في عالم الواقع هذه المرة، إلا أنني – على الرغم من ذلك – قد بحثت عن هذين الجناحين الشفافين خلف كتفيك! وأظنني كنت محظوظاً إذ لم أجدهما. (آنابيل)؛ إغفري لي إن فقدت عقلي بهذه الصورة، ولكن بإمكانك أن تنقذيني... وأن تكوني المنقذ الحقيقي الوحيد لحياتي...

كنت أنظر إليكِ، شفتاكِ، عيناكِ، وتوقفت قليلاً عند حاجبيكِ، خديكِ، وشعركِ... وضللت طريقي في ظلمة شعرك الداكن... لم أستطع أن أجد مخرجا من بين خصلات شعركِ الحريرية... كانت تقيدني، وتلتف حولي بنعومة... كانت تكبلني شيئاً فشيئاً... وفي حقيقة ما شعرت، لم أشأ مقاومتها...

كنت قادراً على أن أشتم عطركِ، عطر جسدك الأخاذ، الذي تخلل إلى خلايا عقلي وجسدي في ثوان، كرحيق زهرة أوركيد يافعة...  وتنفست... وكأنها مرتي الأولى... كشهيق وليد فارق حبله السري منذ ثانية أو بضع ثوان... تنفست فيكِ... في عالمكِ الخاص... وأظنني كدت أن أبكي أيضاً... كان شعوراً بالنشوة...صاحبه راحة بال فريدة، وإرتخاء فريسة فقدت مقاومتها أمام كاسر من كواسر الغاب...!

شعرت وكأنني أتمايل سكراً... وربما سكرت بالفعل... ولكنه كان شعور بمتعة جديدة، لم أشعرها قط قبل اليوم... ولا أظن أن مخلوقاً قد شعرها قبلي... !
كانت نشوة حب حقيقي... حب خالد...

وتذكرت للحظة: كم أن (خوليو) وحش قاس يفتقر لأي من هذه المشاعر...!!!


 (16)

لدي حلم بأسرة ما، في عقلي، ولازلت أحلم أن أبني يوماً ذلك الكوخ الخوصي الصغير، على صدر شاطئ المحيط... أستلقي على رمال الشاطئ مع حبيبتي، أغفو كل ليلة على صوت الأمواج، إذ تتسلل بهدوء، لتحيط ذلك الكوخ، وتضمه بحني وشوق... وأستمع لصوت هذه الأمواج وهي تهمس أحياناً، وتتصارع في أحيان أخرى...

لازلت أحلم بذلك... أجري حافي القدمين مع (آنابيل)... فوق الرمال الباردة، قرب الفجر... نطارد خيطاً من خيوط ضوء القمر... نمسكه... نتسلقه... حتى نصل إلى القمر... طامع في لا شئ سوى رؤية تلك الضحكة الطفولية، والإبتسامة العذراء الخجلى، فوق شفتيها، من جديد...

ولذلك، عندما أشرع في بناء كوخي هذا، لعائلتي، على أرض الواقع إن وجدت، لن أفعل ذلك يوماً على أنقاض وبقايا أحلامي هذه...



(17)

أهو أمر متعلق بعدد السنين التي سوف نحياها؟ أم بعدد الأشخاص الذين سوف ننجح في رسم ابتسامة فوق شفاههم؟ وعدد الدموع التي نجحنا في مواريتها عن الأنظار؟

كم جنينا وماذا اكتسبنا في رحلة الحياة؟ وكيف يمكننا قياس هذا الكسب وذاك الجني؟ أم أنها مسألة عدد الأشخاص الذين أحطناهم بالرعاية، وعدد الذين أحاطونا – هم – برعايتهم؟

أهي قيمة وكم الحب الذي حصلنا عليه؟ وكم من هذا الحب أستحقينا في واقع الأمر؟ أم أنها وفقاً لتقييم الأسرة التي أنشأناها، وإلى أي مدى كنا مؤهلين وصالحين في رعاية هذه الأسرة؟

كانت هذه إجابات مختلفة لسؤال ألح على خاطري:
كيف يمكن – لأي منا – أن يقيم مدى نجاحه أو فشلة، في تلك الرحلة الطويلة، التي اعتدنا أن نطلق عليها إسم: الحياة...!



(18)

لقد إبتسمت لي...! هذه الابتسامة العذراء كانت لي وحدي هذا الصباح...! ولثوان، امتلكتني بوهج نظرتها التي إستقرت بعينايا...
كيف يمكنني أن أسمي هذا الشعور؟ أهو الحب؟ أهو الحلم؟ كم تنميت لو أن (خوليو) قد رافقني اليوم...
أعتقد أنها قد لاحظت زياراتي اليومية إلى محل الزهور، ولم يكن بمقدوري إخفاء أي شئ آخر... كنت هناك، بنفس المكان الذي رأيتها فيه أول مرة، وكانت أيضاً حيث رأيتها أول مرة، وبنفس الوجه الملائكي الباسم، ونفس النظرة المرتبكة الخجلى... ما الذي تبحثين عنه يا حبيبتي؟ ماذا تفتقدين؟ هل تنتظرين قدوم شخص ما؟ أم أنك تنتظرين حدوث شئ ما؟ هل يمكنك أن تشعري بوجودي؟ هل تسمعين دقات قلبي؟ اوتشعرين بالبرد؟
ياإلهي، ها أنتِ الآن، تنظرين صوبي...! نعم... هذا أنا...! نفس الشخص الذي يتسلل إلى هنا كل يوم، نفس الشخص الذي يتابعك كل يوم، منذ شهر أو بضع شهر...! نعم... أحبك... كما لم أكن أدرك كنه الحب قبل أن ألقاكِ...! ابتسامتك تلك... تخترقني...! تنفذ إلى روحي... هل هذا مؤلم؟ لم أعد أشعر بشئ سوى دفء اللقاء...! من أنتِ؟ وماذا أنا بفاعل هنا؟ ماذا فعلتِ بي؟ هل أنت ساحرة؟ حسناً... فقط إسمك، أريد إسماً أناديك به في أحلامي...! (آنابيل)... هل تستطيعين سماعي (آنابيل)؟ بم تحلمين كل ليلة؟ فقط ما هو حلمك؟!
هل تعترفين بالله؟ هل تعرفين (بوذا)؟ أوسافرتِ بيوم بين أفكار (جان بول سارتر) وثنايا عقله؟ أوغرقتِ بيوم في إحدى قصائد (إدجار آلان بو)؟ أو إستمعتِ إلى هلاوس واعظ؟ هل تؤمنين بالحرية؟ أوتدركين ماهيتها؟ وكيف هي طريقتكِ للتعامل معها؟
هل يمكنني أن أُقَبـِلَـكِ؟ أو أن أضمك بعنف إلى صدري؟
هل يمكنني أن أدعو نفسي لقضاء الليلة بفراشك؟!


(19)



خُذْي هذه القبلةِ على الحاجبِ!
، وفي فراقي عنكِ الآن،
دعيني أَقرُّ بشدة..
أنكِ لَسْتِ بمخطئَة، إذ تعتبرينُ
بأنّ أيامي كَانتْ حلم؛
رغم ذلك، إذا طارَ أملُ ما بعيداً
في ليل، أَو بنهار،
في رؤية، أَو في لا شيئ،
فاعلمي أن ما ذَهبَ هو أقل ما فيه
فكل ما نرى أو يبدو لنا
هو لاشئ سوى حلم ضمن حلم..

أَقِفُ وسط زئيرِ
أمواج شاطئ مُعَذَّب،
وأنا أَمْسكُ بيَدِّي
حبيبات رمالِ ذهبيِة
بضع حبيبات صغيرة! رغم ذلك كَانت تتسلل
من بين أصابعِي إلى عُمقِ بعيد
بينما أَبْكي ، بينما أَبْكي!
يا الله! ألا يُمْكِنُني أَنَّني أمنعهم من التسلل
بقبضة يد أقوى من ذلك؟
يا الله!ألا يُمْكِنُني أَنَّ أحمي حبة رمل
واحدة منهم، مِنْ الموجةِ العديمة الرحمةِ؟
هل كُلّ ما نَرى أَو يبْدو لنا
هو لاشئ سوى حلم ضمن حلم..؟
(إدجار آلان بو)


(20)
هل عشقكِ أحد من قبل كما عشقتكِ أنا؟ هل آمن بك أحد كما آمنت أنا بكِ؟ هل صادفت بحياتك شخصاً كان على إستعداد لأن يضحي بحياته، وإيمانه، ووجوده، فقط ليرى البسمة فوق شفاهكِ؟ غيري أنا؟ هل قبَلكِ أحد من قبل كما سأقبَلكِ يوماً ما؟ وكما قبلـتُـك دائماً بأحلامي؟ هل رغبك أحد كما أرغبكِ؟
أخائـفة أنتِ مني؟
هل تظنين بأن أصدقائي ربما كانوا على حق بشأني؟
أتجدينني مخبولاً؟
أوتظنين بأنني لست بقادر على رؤية حقيقة ما تشعرين من خلال عينيكِ؟ أواثقة أنتِ من أنك لم ترغبينني يوماً؟ هل حلمتِ بي يوماً ما؟ هل شرد ذهنك يوماً بتخيل قبلتي؟ هل يمكننا أن نجزم بأنك تفضلين البقاء بعيداً عني؟ لتواصلين الاختباء خلف هذه النافذة الزجاجية؟ مكتفية باختلاس النظر إليً من آن لآخر؟
ما الذي تحاولين اخفاؤه يا أميرتي الصغيرة؟
أهي الرهبة من بدء علاقة جديدة بحياتنا؟
أم أنه الخوف من الندم؟
أينبغي عليً أن أٌصدِقـكِ، عندما تتكلمين ذات يوم؟
أهو القدر...؟
(آنابيل)... هل يمكن أن يغدو حبي لكِ حباً مستحيلاً؟
أم أنه باستطاعتي أن أصطحب معي بصيص أمل، لأشارك وأياه قبري؟ في موعد غير بعيد؟
(آنابيل)... أواثقة أنتِ أنني أحبكِ؟

 (21)
خِطبة؟ أواثق أنت من ذلك (خوليو)؟ أعني... الوقت لازال مبكراً جداً للقيام بذلك! عمرك كمثل عمري، سبع وعشرون عاماً... ولا داعي للعجلة! بالتأكيد أنا سعيد لأجلك... وأتمنى لك من الحظ أوفره.. هذا من صميم قلبي... ولكن...
فقط أعد التفكير بالأمر... ليس لدي شئ ضد الفتاة التي تنوي خطبتها، أنت تعلم ذلك... ولكنه رأيي... يجب أن تتمهل...
قرارك سيكون مصحوباً بدعمي وتأييدي على أية حال...
.............
خِطبة...؟

 (22)
لاحظت اليوم شيئاً بخصوص (خوليو)... لا أريد أن أكون ظالماً، ولكن...هو لا يحب (آنابيل)...! إنه يتجنب الحديث عنها، متجاهلاً حتى سؤالي عنها وعن ما آلت إليه الأمور..! وعندما أشرع أنا باخباره بحقيقة ما أشعر، لا يلبث أن يتهرب من الموضوع برمته...! متعللاً بأي سبب  أثق مقدماً بزيف دعواه... هل يمكن أن يكون قد شعر بالغيرة؟
أشعر بحزن يعتصرني... هل من العدل أن يتجاهلني (خوليو)؟ وأن يتخلى عني بهذه الصورة؟ بدلاً من أن يظهر لي دعمه الكامل وتحفيزه المستمر؟ (خوليو) يبدو مختلفاً... هل يستطيع أن يحصي عدد المرات التي ساندته فيها؟ وكم المساعدات التي قدمتها له، والأشياء النبيلة التي قمت بها من أجله؟ كم مرة وقف فيها (خوليو) خلفي، وحميته كالسد من كافة ما يخيفه، ودافعت عنه، ونصحته، وأخذت مكانه في الأوقات الصعبة التي لم يقو هو على تحملها؟ كم مرة تحدثت بلسانه حين لم يقدر هو على إيجاد الكلمات، وتلعثم بحثاً عن حروف لا يعرف بينها فرقاً؟ هل نسى (خوليو) كل هذا؟
ماذا حل به؟
لم أره يعشق الخمر بهذه الصورة من قبل..! هل يتحتم عليً أن أواجهه بذلك؟ بكل ذلك؟ لا أظن أن ما أشعر به تجاهه هو الغضب... ربما الإحباط والحزن...
ولكن الغريب أنني – برغم كل ذلك – قلق بشأنه حقاً...!

 (23)
(لويس) ليس بكافر... لم يكفر يوماً بحياته... أنا من يستطيع أن يجزم بذلك...!
أظن أن (لويس)، خلال فترة ما من حياته، كان يمر بحالة عشق لله وللذات الإلهية..! واهتم كثيراً بكل أمور الدين... أصر بيوم أن يحضر ثلاث صلاوات بيوم واحد، أولها بمعبد يهودي، وثانيها بمسجد إسلامي، وثالثها بكنيسة أرثوذوكسية، وحينما عاد ليلاً، وجدته يتلو بعضاً من تعاليم (بوذا)..!
رأيته يقرأ كتب مقدسة عدة، تنتمي لأديان مختلفة، وكان دائماً ما يقرأ بخشوع لم أعهدة حتى بواعظ أو ناسك من قبل..!
أعتقد أنه قد أقترب من الله لدرجة غير آمنة... نعم غير آمنة..! فبرغم شعوره بالسعادة والرضا عن هذه العلاقة الروحانية النادرة، إلا أنه شيئاً فشيئاً، شرع يعطي نفسه الحق في أن يلوم، ويناقش، ويعاتب الله، فقط كأي صديق آخر..!
أعتقد أن (لويس) قد قطع مسافة كبيرة، وخرج عن كل الأطر، وكذب كل النظريات والفلاسفة، ليقف بمنطقة ما من عقلة، أمام الله... وجهاً لوجه... مناقشاً حقوقه، أحلامه، وقدره...!
 (24)
(آنابيل)... لقد استيقظت اليوم وقد انتابني ثمة شعور غريب، كان يتسلل إلى قلبي ثانية بعد الأخرى...
بدأ ذلك الشعور مشوشاً ومختلطاً، ولكنه لم يلبث أن بدأ في الإستقرار، فالوضوح...
(آنابيل): أحبك...

 (25)
لم تحب زوجتي (لويس) قط، كانت تكرهه..! وتكره فلسفته وأفكاره.. في الواقع: كلاهما لم يحب الآخر يوماً..
كثيراً ما حاولت أن أقنع كل منهما بلقاء الآخر، إلا أنني أبدا لم أنجح في أن أجمعهما بمكان واحد.. كان الرفض الفوري القاطع حاضراً في كل مرة..!
- (خوليو)... لا أستطيع أن أشجعك ,وأن أدفعك للأمام، وأنا أراك تقتل بداخلك روحاً، طالما سامرتني ورافقتني طوال ليال كنا فيها أصدقاء حقاً.. هي روحك أنت.. هذا ما تفعله بروحك بهذا النوع من العلاقة.. أعتذر يا (خوليو)، هذا بالقطع ضد عقائدي وقناعاتي.. آسف...
بعد كل هذه السنين... مع الاعتراف بكامل تقديري لرقتها البالغة، وأدبها الجم، وذوقها الرفيع، وحبها الآسر... هل يمكنني الجزم بأن زوجتي قد عشقتني يوماً، كما حلمت أن أُعشق بأحلام مراهقتي وعذريتي؟
أرى أنا أبي – وقد عاش تسعون عاماً – لم يحصل يوماً على ذلك، وإن لم يصرح بتلك الحقيقة يوماً... ولكنها كانت تصرخ بعينيه طيلة الوقت..!
لدي أسرة، ولدي الآن أحفاد أيضاً..! ولم يحصل(لويس) على ذلك يوماً.. ولكن......
من منا قد حصل على قدر أكبر من الرضا؟! أنا؟ أم (لويس)؟



(27)
هل بات الحلم بتقبيلك محرماً؟
هل يمكن أن يكون التفكير بفتنتك، وبجسدك كامل الإغواء، بمثابة الخطيئة؟
هل الشعور بهذا النوع من الرغبة الجسدية تجاهك، ذنب أقترفه؟
دائماً ما ألوم نفسي حين أفكر بك بهذه الصورة الجريئة... أنا أعلم، كما تعلمين أنتِ، أن الحب والجنس وجهان لعملة واحدة... لا يمكن لقوة في الكون أن تفرق بين هاتين الكلمتين، وإن أنكر الأنبياء ذلك، فهم حتماً كاذبون..! هذه طبيعة فطرنا الله عليها...
وبرغم كل ذلك... دائماً ما كان من الصعوبة أن أغفر لنفسي إذ أنظر لك بعين رغبة كتلك التي نظرتها مراراً.. وكم أكون قاسياً إذ ألومني على ذلك...
لكن، هَلْ أنا شهواني؟ لقد كُنْتُ دائماً بعيداً كل البعد عن هذه الكلمةِ، وما زِلتُ، لكن سحرَكَ يُمغنطُني، يطَيَر بي، يَأْخذُني أقرب ما يمكن تجاهك، لأعَانَقَكِ، بكُلّ ما يمكن أن تحمله كلمة (شوق) من معان، خارت قوَّاي وإختفتْ، لكنني لَستُ بآسفَ على ذلك.
أَنا جدً آسف على ذلك..! لكنني - حتى برومانسيتِي المستمرةِ في حُلْم بلمسِتنا الأولى - أحياناً أَعْبرُ خلال كُلّ الحدودِ الرومانسيةِ، لرُؤيتك مِنْ زاوية مختلفة , زاوية فجة، لكن... (أنابيل)...
لقد كُنْتِ دائماً كمثل طفل يغفو بعينيَ، ولَرُبَّمَا لِهذا أُحاولُ تَحريم نفسي مِنْ إعتِبارك تلك الشابّة، التي قَدْ أُرْغَبُها جسدياً!
على أية حال، لم يكن عقلانيَاً أَو منطقيَّاً أَنْ أناقش ذلك معكِ! !

 (27)
- كلا (خوليو).. صديقتي السابقة كانت مختلفة، أنا لا أقصد شيئاً، ولكن، لقد كنت معها كما أنت الآن مع فتاتك..، كنا نخضع لواقع ما نعيشه، نتجاهل أحلام الصبا..، ونصنع بدلاً منها أحلاماً زائفة ببعضنا البعض..!
- و (آنابيل) بالطبع هي الحل لذلك، أليس كذلك؟ هل أنت راضٍ بهذا الحب الأفلاطوني؟ تقف كالمراهق، لتشهد إبتسامتها الخالدة، من خلال نفس النافذة الزجاجية، كل يوم؟ هل هذه هي فلسفتك الواقعية الخاصة؟
- تمهل (خوليو)، وتذكر أننا لا نتعارك هنا..! كل ما في الأمر أن لكل منا أهداف مختلفة لحياته، وبالتأكيد، لكل منا فلسفته الخاصة..! ربما كان إيمان كل منا بالحلم بعيداً كل البعد عن الآخر أيضاً..! (خوليو)... ربما تكون محقاً، وربما تكون مخطئاً، وبأمانة شديدة: أن حقاً أتمنى ألا تندم أبداً على ما خططته لنفسك، طيلة عمرك!
- ....................
- إن الندم كان دائماً هو أكثر قاتلي الإنسان قسوة وإنعداماً للرحمة عبر التاريخ.. بعض ممن قتلهم ذلك الوحش، يرقدون في قبورهم الآن..، وبعضهم الآخر، لايزال بيننا، نكلمهم ونخاطبهم، نزورهم ويزوروننا... ظناً منا أنهم أحياء... ومن رحمة الله أننا نحيا وأياهم بهذا الاعتقاد الخاطئ..!

 (28)
الإيمان...
أهو شئ يمكن أن يلام المرء لأجله؟
لدي إيمان بنفسي، بينما لا يحظى بذلك أغلب الناس..!
هل أنا مغرور؟ لا أهتم، إذا اتهمني أحد بذلك، فقط لأنه وجد لدي قوة محافظة على الحلم ، لا ينعم هو بها...
بعد العديد والعديد من الصراعات الفكرية والعقلية، لم أستسلم يوماً، برغم أنني قد فقدت الكثير خلال هذه الصراعات؛ أصدقاء، أحباء، صحة... في وقت مبكر نوعا ما، لمن في مثل عمري..!
علاوة على ذلك: لازلت قادراً على مواصلة القتال، غير مبالٍ بما أنزفه، رافضاً أن أموت قبل أن أعثر على ملكتي.. وأحقق أمانها... فقط حينها يمكنني أن أموت.. على أبواب قلعتها، حريصاً على أن أظهر ابتسامة نصر فوق شفتيَ الخاليتين من الحياة..!
(بدأ أصدقاؤنا يبتعدون عن (لويس) وينعتونه بالجنون علانية في تلك الفترة، ولكنه أبداً لم يغضب!!)

(29)
(آنابيل).. لا يمكنك تخيل ما أمرُ به الآن..! لثلاثة أيام كاملة، لا أستطيع العثور عليكِ، وكأنك قد تبخرتِ من دنيانا..! ولثلاثة أيام لا أقوى على مكاشفة نفسي بحقيقة ما يحدث حولي..! ثلاثة أيام كافية لقتل أي حلم بقلب أقوى فرسان الأساطير الإغريقية، ولكن حلمي بكِ يبقى أمر خاص، أكثر صلابة من الموت، وأكثر خلوداً من الكتب السماوية..!
لماذا اختفيتِ؟ (آنابيل)... هل رأيت ذلك الحلم؟ هل كنت حقاً فوق تلك السحابة الرخوة تلك الليلة؟ أفتقدكِ...
بالأمس، جئت إلى منزلك، كنت على وشك أن أطرق الباب، ولكنني لم أستطع... لم أكن أعرف ماذا سأقول حين يطالعني وجهكِ..! (آنابيل).. لست قديساً.. ولم أكن يوماً لأقبل أن أكون.. قلبي ملئ بالخطايا، وآمل أن أطهره بحبكِ..!
(آنابيل).. أنتِ أميرة مملكتي المفقودة.. صولجان ملكي بيديكِ، وجسدكِ عرشي، عيناكِ هما آخر نجمتين ساهرتين بليل حالك الظلمة، وشفتيكِ هما جدول معرفتي الدائم التدفق... هل يمكنك أن تساعدي هذا الملك تائه الخطى، الواقف على أبوابك الموصدة؟ كي يعثر على مملكته الضائعة، وعرشه المفقود؟
(آنابيل).. بالأمس، تخلفت عن حضور حفل بسيط أقيم بمناسبة خِطبة أقرب أصدقائي، كنت أفكر فيكِ طيلة الوقت، ولم أعد قادراً على الشعور بالوقت... كل أيامي صارت متشابهة... ولكن (خوليو) لن يغفر لي فعلتي هذه..!

 (30)
عزيزي (خوليو)...
هذا هو خطابي الثالث لك، يعجز الندم عن وصف ندمي، لا أريدك أن تربط بين عدم حضوري وبين أية آراء سبق أن أخبرتك بها.. أنت تعرف أن هذا ليس مني بشئ! خصوصاً حين يخصك أنت الأمر... (خوليو)... أنت صديقي الوحيد في هذه الدنيا، وليست لديك أية فكرة عما يحدث لي... ليس في ذلك أية أمور فلسفية جديدة، أنا فقط أعاني... (آنابيل) قد اختفت..! لم تعد تذهب إلى محل الزهور، وليست أيضاً بمنزلها، ولا بأي مكان آخر، أنا جد قلق، وأشعر أنني أقف بمركز الفراغ..! (خوليو).. لا تكن بهذه القسوة، أرجوك ألا تتخلى عني..!
الخلاف الحاد الذي نشأ بيننا قبل حفل الخِطبة بيومين ليس له علاقة بعدم مجيئي، أنت تعلم أنني لم أكن لأقبل ما قلته أنت عن (آنابيل)، أياً كان ما تقصد، لم يكون من الصواب أن تقول ما قلت... كان أمراً غير مقبول، ولكنني أقسم بصداقتنا أنه لم يكن سبب عدم مجيئي إلى الحفل..!
أشعر أنك تكره (آنابيل)، ولكنني أجهل السبب، أن أقسم، ولا أدري بم أقسم، ولكنني أقسم أنك تكرهها..! ولكنك لم ترها يوماً، أنا أثق بأنك ستدرك ما أشعر به تجاهها إذا رأيتها ولو لمرة واحدة.. لماذا لم تحاول رؤيتها، كان دائماً بإمكانك أن تفعل، فلم لم تحاول؟ لماذا يبدو لي الأمر أحيانا وكأنك تتجاهل وجود (آنابيل) بحياتي؟
(خوليو)... فقط إذهب إلى محل الزهور... فقط أريدك أن تراها... ولكن، متى ستكون (آنابيل) هناك من جديد؟ هذا السؤال هو سر تعاستي.. (خوليو) ... ربما نحن لا نتفق بشأن العديد من المبادئ الأساسية للحياة، ولكن كلانا يبقى للآخر: أقرب الأصدقاء...! أريد أن أراك (خوليو)... وفقط حين نلتقي، أنا أثق أن كل شئ سيعود كالأيام الخوالي...
(خوليو)... أريدك بجواري في هذه اللحظات الصعبة... أنتظر أن تزورني، وإن لم تأتِ، فسأواصل إرسال خطاباتي حتى تجئ...!
أرادتي حرة كما تعلم...
المخلص دائماً...
(لويس)

(31)
عزيزي (لويس)..
لم أكن أتفادى محادثتك أو رؤيتك طوال الأيام الماضية، ولكنني كنت جد مشغول بالأسابيع الأخيرة... تصور أنني استلمت خطابين منك دفعة واحدة، وإن كنت – أنت – قد وصفت ثانيهما بالثالث، على أية حال: ما وصفته أنت بـ (الخلاف الحاد) كان بالنسبة لي: مصارحة كبرى..! لست غاضباً منك بسبب ردة فعلك، أو حتى بسبب عدم حضورك الحفل... كنت أعلم أنك لن تكون قادراً على الظهور في يوم كهذا، لديك تفسيرات وتبريرات عدة، ولكنني لدي تفسيرات بدوري...
أنا لا أعلم متى سأراك، ولكنني أثق أنني أريدك أن تلتقي خطيبتي بما أنكما لم تلتقيان من قبل... (لويس)... ليس لدي شئ ضد (آنابيل) حتى أكرهها أو أحبها، ولم أقصد بكلماتي أن تؤذيك.! ولكن إن لم تكن تصدقني، إذهب وتحدث إليها، ماذا تنتظر؟؟ أخبرها أنك تحبها..! لم أجدك بهذا القدر من التردد من قبل، خصوصاً فيم يخص مواجهة الفتايات..! ألم أعتمد عليك مراراً وتكراراً في أن تفعل ذلك من أجلي، لازلت أذكر كل ما فعلت من أجلي (لويس)، حتى وإن وصفتني بالجحود...
هل تذكر حين إلتقينا للمرة الأولى، بعد أول صفعة عشق تهوي على وجهي؟ صدمة الحب الأول، إبنة الجيران، وأحلام المراهقة؟ هل تذكر؟ لقد جعلت أنت مني شخص مختلف، ولن أنسى لك ذلك ما حييت!!
(آنابيل)... أن أثق بظهورها مجدداً، في القريب العاجل، وفور ظهورها المؤكد، إذهب وأطرق بابها.! ببساطة ووضوح، لا أصدق أنني أنا من يخبرك بهذا الآن..! سأكون في إنتظار نتيجة ذلك الحدث...
(لويس)... أنت نفس الشخص الذي قال يوماً "إذا لم تكن راضياً بدنياك التي تحياها الآن، وإذا كنت ترى أحلامك لا يمكن الوصول إليها؛ إخلق أحلاماً خاصة، تشبث بها، آمن بها، فأنت بذلك تبث فيها الحياة"... لا تنس ذلك (لويس)... لازلت أثق بك يا عزيزي...
المخلص...(خوليو)
(32)
واليوم عادت...
أجمل من أي وقت مضى... أستطيع أن أروي ظمأي من تلك البسمة العذراء مرة أخرى، ولكن... شيئاً ما بدا لي مختلفاً... (آنابيل) لماذا تتفادين النظر إليَ؟ لماذا تبدين بهذا الحزن؟ ما خطبك؟ ماذا حدث؟ هل هناك شخص آخر؟ أيمكن أن يكون (خوليو) مصيباً فيما قاله عنكِ؟
حسناً، أعتقد أن الوقت قد حان، وغداً سيشهد ميلاد إعتراف بكل خطيئاتي، على مذبح شفتيك..! فقط أنا وأنت.. ولن يهمني بهذه الدنيا إلا شئ واحد، أنتِ..! ولكن.. عديني ألا تتظاهرين بالدهشة، أعلم أن بحكايتنا لا يوجد مجال للدهشة..!
هل ينبغي أن أطلب من (خوليو) أن يرافقني، لا أريده لأجل أن يحل محلي، فقط أريد دعمه..!
يبدو لي غداً أقرب إليَ من ظلٍي هذه المرة..!
(33)



5\يناير
 عزيزي السيد \ خوليو ل. ألابان

إن فريق العمل بدار نشرنا، إذ يبدي أهتماماً ملموساً بمذكرات صديقك، فإنه يبدي أيضاً تساؤله حول ما إذا كانت المذكرات قد إنتهت على هذا النحو أم لا؟ هل هناك تتمة ما لما أرسلته لنا، أم أن هذا كل شئ؟

أجد أنا وفريق العمل، أن نحدد موعد للقائك شخصياً، أملاً في أن يكون لديك ما يساعدنا على وضع نهاية إفتراضية للمذكرات.

 لذلك، فإننا بانتظار أن تحدد موعداً في خلال الأسابيع الثلاث القادمة، لعقد إجتماعنا المنتظر....
مع أطيب التمنيات...

(نيكول بوتر)

 (34)

لسنين وسنين، كان (لويس) يمثل جزءاً لا يتجزأ من حياتي، كانت أفكاره وأفعاله الجريئة، فلسفته، ضحكاته، تعليقاته، ومزاحه، يشكلون الجزء الأكبر من لحظات شرودي...

وحين رحلت زوجتي عن عالمنا، في صيف العام الماضي، بدأ (لويس) يظهر مجدداً، وأطلت ذكراه بإلحاح على مخيلتي، ويوماً بعد يوم، أخذت أغوص بالماضي، ممضياً أغلب أوقاتي في مطالعة أوراق مذكراته، المرة تلو المرة...

زوجتي الحبيبة، لم تحاول يوماً أن تطالع ما أمضيت جل وقت فراغي بين صفحاته، أظنها كانت تكره هذه الأوراق، لأنها كانت تأخذني منها على الأرجح..! وتدريجياً، أضحت أسرتي بالكامل تتجاهل وجود هذه الأوراق وكأنها غير موجودة.. حتى أحفادي وحفيداتي، وبرغم شقاوتهم البالغة، لم يسألني أحدهم عن هذه الأوراق التي أعكف على قراءتها كل يوم..! الإستثناء الوحيد كان حفيدتي الأحب إلى قلبي (آني)... بينما لم أحصل من زوجتي الحبيبة على ما هو أكثر من (ماذا تفعل؟)، أو (من هو "لويس" هذا؟)، كان (لويس) يمثل الرمز الأكثر غموضاً لكل أفراد العائلة وإن تجاهل معظمهم ذكره...
وفي بعض الأحيان، كنت أرى بعيونهم، نفس القلق الذي كان يصرخ بعينيَ خوفاً على (لويس) منذ خمسين عاماً..!
كان لـ (لويس) فلسفته الخاصة في الحياة، فلسفة الحلم، والحرية، والإرادة...

في الأشهر الأخيرة، كنت أفكر كثيراً، بحثاُ عن الأسلوب الأمثل لتخليد ذكراه، وأخيراً، فكرت أن أرسل هذه المذكرات إلى إحدى دور النشر، محاولاً الحصول على فرصة طباعتها، ربما كان في نشر أفكار (لويس)، وفلسفته، وجموحه، وجنونه، إرضاءاً لروحه الضائعة... لازلت أراه هائما حولي إذ يحل المساء، أراه جالساً بجوار المدفأة، يقرأ مذكرات (سارتر) أو يتلو على مسامعي قصيدة لـ (بو)... يحرك يديه يميناً وشمالاً، تفاعلاً مع أحد أبيات القصيدة، ويزجرني إذ يلحظ شرودي أثناء قراءته... ثم لا يلبث أن يختفي، أو أختفي أنا..!

أتمنى أن يمد الله عمري حتى أرى مذكرات (لويس) كتاباً مطبوعاً بين يدي، كتاب أراه بالمكتبات وعلى أرصفة الباعة الجائلين، يناقش أفكاره القراء بين عامة وخاصة... وبين من يناقشون هذه الأفكار، أجد (لويس) واقفاً، يدافع عن آرائه، بأسلوبة المعهود...



(35)

ها هي.. وها أنا أقف هنا... ويقف حلمي بها على بعد خطوات من ملاقاة حقيقته للمرة الأولى، وربما هي – أيضاً – المرة الأخيرة...
(آنابيل)... أياً كان ما سيحدث، وأياً كان ما سطر بكتابنا، أريدك أن تعلمي أنني أحببتك، أنت أول حب حقيقي صادق بحياتي...
هل كانت تلك الابتسامة العذرية..؟
أم هي نظرة التيه بعينيكِ؟
أم هي شفتاك؟
ما الذي قادني للوقوف على شفا جرف عميق، لا أبصر له قاع، وما أسمع آتياً من جوفه سوى تلك الترانيم؟ مسحور، قد هجرت كل العوالم كي أجيئكِ أنتِ..!
لا أستطيع أن أتخيلك مستلقية بين ذراعي رجل ما، أي رجل، فقط أذا كان الملائكة يفعلون ذلك، يمكنني التخيل... هل تعرفين الملائكة؟ تلك المخلوقات النورانية، التي طالما قصت علينا قصصهم في صغرنا..؟
هل أي منا ملاك؟
شفتاك تبدوان وكأنهما على وشك أن تقولا شئ ما، ولكنك تبقين ساكنة..! وتصيبني عدوى الصمت، فأصمت بدوري..! تلك ترتيلةِ الصمت الموسيقيةِ، هي صوتُ الحبِّ، ولكن..، يجب أن أخبرك الآن، يَجِبُ أَنْ أَقُولَها، لا أحد يُمْكِنُه أَنْ يَمْنعَني من إخْبارك اليوم، حتى إذا توجب عليَ مجابهة آلهة الإغريق هذه المرة.
(آنابيل)... أخشى ما أخشاه أن يكون (خوليو) محقاً بشأنك... سيكون ذلك كافياً لقتلي..!
رباه... لم أشعر بمثل هذا الرعب من قبل، فالليلة... يقف قلبي الشجاع على أبوابك الموصدة، للمرة الأخيرة... منادياً بإسمك... ذاك المحارب الشجاع الذي لم يهزم بحياته قط، يقف الليلة أمامك... مهزوم بلا سيف... جريح مستسلم... هل لك أن تقبليه الليلة، سجيناً بحجرتك..؟ ممضياً آخر لحظاته، ناطقاً بآخر كلماته، على وسادتكِ الدافئة؟ مستمتعاً بآخر أنفاسه أمام شفتيكِ وابتسامتكِ، مصرحاً بأول وآخر إعترافاته إذ يقول: أحبك..!


(36)


ملاكي.. روحي.. يا كل ما أملك.. فقط بضعة كلمات اليوم، أخطها بقلمك الرصاص.. حتى أحزم حقائبي بالغد.. يبدو الوقت حتى الغد كمضيعة حقيقية للوقت..!
لماذا نشعر بهذا الأسف العميق حين يكون الكلام ضرورياً؟ أوهل يمكن لحبنا أن يصمد إلا من خلال التضحيات..؟ قد يصمد بدون تضحيات إذا لم يكن لدينا ما نطالب به..! ولكن هل يمكنك تغيير حقيقة أنك حقاً لي؟ وحقيقة أن حياتي ملك لكِ؟
 أوه... يا إلهي، إنظرْي لآيات الجمالِ بهذه الطبيعةِ، أغمضي عينيكِ وأشعري بالراحة، مع من تودين أن تكوني الآن؟ الحب يطلب كل شئ .. متطلباته غير محدودة.. وهذا أراه عدلا..! الأمر كذلك بالنسبة لي طالما أنت معي..! وإذا توحدنا – أنا وأنتِ – كلياً ولو للحظة، ستشعرين بأن لذلك الشعور ألم بسيط أشعره الآن...!
والآن دعيني، أغير دفة الحديث من أمور خارجية إلى أمور داخلية، يجب أن نلتقي، علاوة على ذلك، لا أستطيع أن أنقل إليكِ ملاحظات عدة لاحظتها خلال الأيام القليلة الماضية التي لمست فيها حياتي عن كثب.
لو كانت قلوبنا سوياً ما كنت لألحظ أي شئ من ذلك..! قلبي ملئ بالعديد من الأشياء التي أود أن أخبرك بها... آه... أحيانا أشعر – رغم كل شئ – أن الكلمات تكون بلا قيمة... حبيبتي... أغمري قلبك بالتفاؤل.. إبقي حقيقتي، وكنزي الوحيد...
يا كل ما أملك، ينبغي على الآلهة أن ترسل لنا من الأقدار أفضل ما يكون..!
المخلص دائما \ (لودفيج بيتهوفين)
6\7\1806



(37)

اليوم، قمت بزيارة (لويس)؛ كان قد اعتكف بمنزله منذ أكثر من شهر، لا يقابل أحداً، ولا يخاطب أحداً، وعندما رأيته.. كان بالفعل شخص آخر.. يحيا على بعد أميال وأميال عن أرض الواقع... كان محطماً... تدور عينيه بمحجريهما بحثاً عن لاشئ..! حتى عندما تحدث، لم يكن نفس الشخص المتحدث الواثق مما يقول.. كان يتلعثم كثيراً.. ويشرد كثيراً، كان (لويس) تائهاً كمن أفاق ليجد نفسه بعالم لا يخصه... ولم أستطع أن أخفي دموعي...
كنت أخشى أن يكون ما أراه أمامي هو إحتضار (لويس)، ولم أكن أعلم أن هذا الأمر كان قد بات وارداً جداً..!
-          ماذا حدث..؟
-          .............
-          (لويس)، أرجوك...
-          كنت على حق (خوليو)...
-          بشأن ...؟
-          أنت تعلم...
-          (آنابيل)..؟
-          نعم...
-          هل ... تحدثت إليها...؟
-          قلت أنك كنت محقا فيما قلت، كف عن المراوغة، لا تكن بغيضاً..!
-          .........
-          لقد ذهبت إلى محل الزهور، ورأيتها، وعندما دخلت إلى المحل للمرة الأولى، فوجئت بشاب أراه لأول مرة يجلس بنفس المكان الذي إعتدت أن أراها جالسة به..! أردت سؤاله عن (آنابيل)، ولكنني لم أكن واثقاً ممن ينبغي أن أوجه له السؤال..! كانت عينيَ  تبحثان عنها في كل مكان، ولم تجداها أبداً...
-          ثم..؟
-          كانت ملاكاً..!
-          (لويس)...
-          أتذكر ما قصصته عليك كثيراً عن تلك الإبتسامة العذرية الخجلى..؟
-          بلى..
-          هل تعتقد أن ثمة وصف كالذي وصفته لك، يمكن أن يوجد على أرض الواقع؟ أويستحق واقعنا أن يملك شئ كهذا..؟
-          (لويس)... أخبرتك... ما نحياه لم يكن يوماً كـ (يوتوبيا) ..!
-          ولم أكن يوماً كـ (أفلاطون)..!
-          .............
-          (آنابيل)... ملاكي الرقيق... هو ذلك الحلم الكامل الذي آثر بسموه أن يترفع عن دنيانا (خوليو)، لقد كنت محقاً، (آنابيل) لم توجد يوماً إلا بمخيلتي .. أعتقد أن زمننا هذا يريد أشخاصاً مثلك أنت (خوليو)... ليس لأمثالي مكان هنا ...
-          ............
-          (خوليو)... أرجوك... لا أريد أن أرى دموعك... هي آخر ما أنا في حاجة لأن أراه الآن...
-          ............
-          كنت أحاول المساعدة، قوة الحلم أمر واقع لم أستحدثه أنا، هي أمر بداخل كل منا، في أعمق نقطة بروحي، وروحك، هي تحيا هناك، ما عليك إلا أن توقظها، لا يمكنك أن تقتلها باسم القناعة، أو أن تعيد تشكيلها لتناسب الوقائع والحقائق الملموسة، ليس عدلاً... على العكس... عليك أن تعيد تشكيل كافة الوقائع والحقائق الملموسة، لتناسب أحلامك وأمنياتك..! هذه هي قوة الحلم بأعماقك، هي ما سوف يقودك لتحقيق ذلك..!
-          (لويس)...
-          آسف (خوليو)...
-          ليس عليك أن تعتذر عن شئ، لا تنسى أنك ساعدتني من قبل مراراً، وربما يكون دوري قد حان لأساعدك...
-          لسوء الحظ، لا يمكنك المساعدة...
-          على الأقل يمكنني أن أحاول...
-          كما تعلم، إرادتك الحرة قد تدفعك للمحاولة، ولكن إرادتي قد تقرر موتي...
-          (لويس)...
-          لا أريد أن أؤذيك أكثر من ذلك...
-          (لويس)... لم تؤذني يوماً...
-          كن شجاعاً، لقد حان الوقت لتعتمد على نفسك...
-          (لويس)... أنت بمثابة المثل الأعلى لي... لطالما آمنت بك، أنت فقط بحاجة إلى الراحة، فلتسترح اليوم، ولنرى ما يمكن فعله بالغد، إسترح (لويس)... فقط لا تستسلم...
-          حسناً.. حسناً.. على أي حال... أشعر بالنعاس الآن...
-          سأتركك لتنام الآن، وسأكون هنا مجدداً بالغد، فقط إعتني بنفسك، أرجوك...
-          (خوليو)...
-          نعم يا عزيزي...
-          لا تفقد إيمانك بما حلمت أنا به، حتى وإن فقدت أنا إيماني به، على الرغم من كل ما حدث، قد تكون تلك (آنابيل) موجودة بمكان ما، حتى بأحلامنا، فقط لا تستسلم، لا تفقد إيمانك بالحلم، وبقوته الدافعة للأمام، يمكن أن تكون موجودة (خوليو)...
-          ..........
-          إحلم بما تشاء، أياً كان، ولا تتردد في أن تمزج حلمك بالمعرفة، عندها فقط؛ يمكنك الوصول إلى الشاطئ الآخر للحلم، الشاطئ الآمن، أنا واثق من قدرتك على بلوغه...
-          (لويس)... سنقوم بذك سوياً يا عزيزي...
-          تعلم أن ذلك ليس بإمكاننا....
-          لا تتكلم كثيراً الآن، تبدو متعباً، أستحلفك بصداقتنا، فقط خذ قسطاً من الراحة، حاول أن تنام نوماً هادئاً الليلة...
-          وأنت أيضا..!




(38)

عندما رحل (لويس) عن عالمنا، لم أكن قادراً على أن استيعاب الأمر، لم أصدق، وحتى يومنا هذا، لازلت لا أذكر كيف، أين، أو متى علمت بأمر رحيله..! تلك أوقات آثر عقلي أن يمحوها من ذاكرتي للأبد.. فقط أذكر أنه أختفى، لم يعد يرسل الخطابات، وشعرت بأنه حقاً غير موجود، وبانه لم يعد ينتمي إلى عالمنا..!
هل كان لزاما على (لويس) أن يموت؟
ربما لم يولد من الأساس؟
ربما كان في وجوده، عقاباً له هو..؟
هل قتلت أنا (لويس) بتجاهلي له حين أرادني إلى جواره لأول وآخر مرة؟ هل ساهمت بذلك في قتله؟
هلى يكفي ندمي كل يوم، لأن يسامحني (لويس)..؟
أليس غريباً، أن كلانا يرجو الآخر أن يسامحه؟
هل بإمكاني أن أستمر بدون (لويس)؟ معلمي الأول بالحياة..؟ ومرشدي الوحيد..؟

العديد والعديد من الأسئلة ظلت تجول بخاطري كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، ولا أذكر إلا وميض الأيام وهي تمرق إلى جواري يوماً بعد الآخر، كان كل شئ من حولي حياً كما كان دائماً، كل شئ مفعم بالحركة والحيوية والحياة، إلا أنا...
لا أذكر متى بدأت أعود إلى حياتي الطبيعية المستقرة..!؟ ولكنني تزوجت خلال تلك الفترة المفقودة من ذكرياتي..!
ظلت تلك الفترة من حياتي مفقودة إلى يومنا هذه، لم أقو على تذكرها يوماً، ولكن هل حاولت أن أتذكر يوماً ..؟!
بعد أن نفذت كلماتي أو كادت، توقفت عن معاتبة نفسي، وقبل العالم أجمع برحيل (لويس)، حتى أنا..! ولكن شيئاً واحداً ظل يتشكك الأمر طيلة الوقت..؟ كانت عينايا تراه أغلب الوقت، ولم يقو شئ أن ينتزع منهما إعترافاً برحيله..!


 (39)

بعد أكثر من عام على ذلك، وصلني خطاب (لويس) المفقود، لم يحو الخطاب سوى قصيدة أخرى لـ (بو) بعنوان (آنابيل لي)، لم أستطع أن أعلم لماذا تأخر وصول ذلك الخطاب طوال تلك الفترة؟ وكأنه آثر الوصول بعد رحيل (لويس)، ليعيده إلى الحياة مرة أخرى..! وبالتأكيد، لم أرد على الخطاب..! لست واثقاً، ولكنني شعرت أنه ربما يصلني خطاب جديد من (لويس) إذا ما رددت على خطابه هذا..!
هل أصبحت حياتي أهدأ بدون (لويس)..؟
لا أعلم..! فقط أعلم أنني لم أرد على خطابه الأخير...

حدث ذلك قبل سنين وسنين مضت...
في مملكة تطل على شاطئ البحر...
عاشت هناك عذراء قد تعرفها أنت
باسم: (آنابيل لي)...
ولم تعش هذه العذراء بأي حلم سوى أن تعشقني وأعشقها..

كنت طفلاً.. وكانت هي طفلة
في هذه المملكة المطلة على الشاطئ..
ولكننا عشقنا بعضنا البعض، كما لم يعشق أحد من قبل..
أنا و(آنابيل لي)...
حب غمرنا به ملائكة الجنة المجنحين...
ولهذا السبب، منذ زمن بعيد...
في هذه المملكة على الشاطئ..
أنشقت غيمة ما عن ريح بارد..
ليجمد حبيبتي (آنابيل لي)..
فجاء أحد أجدادها من علٍ...
وحملها بعيداً عني...
ليسكتها ويسكنها مكاناً ما..
في هذه المملكة على شاطئ البحر...

ليس الملائكة بأنصاف سعداء بالجنة...
لذلك حسدتنا الملائكة على حبنا.. أنا و (آنابيل لي)..
نعم، كان ذلك الحب هو السبب...
كما يعلم كل الرجال، في هذه المملكة على الشاطئ...
أن الريح الباردة اندفعت من السحب ليلاً..
لتجمد وتقتل حبيبتي (آنابيل لي)..

ولكن حبنا كان أقوى بكثير من حب كل الذين قبلنا
حب من كانوا أكبر منا عمراً...
وأكثر منا حكمة...
فلا ملائكة الجنة بأعلى السماء..
ولا الشياطين في أعماق البحار...
يمكنها أن تقطع روحي عن روح
حبيبتي (آنابيل لي)..

فالقمر لن يرسل شعاع ضوء، دون أن يحضر حلم
بحبيبتي (آنابيل لي)..
والنجوم لن تسطع بليل السماء، ما لم أشعر بريق عيني
حبيبتي (آنابيل لي)..

ولذلك، أستلقي كل ليلة إلى جوار
حبيبتي، عروسي، وحياتي...
في بقعة ما هنا على الشاطئ..
بقبرها، على صدر البحر الهادر...

(إدجار آلان بو)




(40)

"هـوامـش"

"إذا لم تكن راضياً بدنياك التي تحياها الآن، وإذا كنت ترى أحلامك لا يمكن الوصول إليها؛ إخلق أحلاماً خاصة، تشبث بها، آمن بها، فأنت بذلك تبث فيها الحياة" (لويس)

" لدي أسرة، ولدي الآن أحفاد أيضاً..! ولم يحصل(لويس) على ذلك يوماً.. ولكن.. من منا قد حصل على قدر أكبر من الرضا؟! أنا؟ أم (لويس)؟" (خوليو)

" قوة الحلم أمر واقع لم أستحدثه أنا، هي أمر بداخل كل منا، في أعمق نقطة بروحي، وروحك، هي تحيا هناك، ما عليك إلا أن توقظها، لا يمكنك أن تقتلها باسم القناعة، أو أن تعيد تشكيلها لتناسب الوقائع والحقائق الملموسة، ليس عدلاً... على العكس... عليك أن تعيد تشكيل كافة الوقائع والحقائق الملموسة، لتناسب أحلامك وأمنياتك..! هذه هي قوة الحلم بأعماقك، هي ما سوف يقودك لتحقيق ذلك..!" (لويس)

" ظلت تلك الفترة من حياتي مفقودة إلى يومنا هذا، لم أقو على تذكرها يوماً، ولكن هل حاولت أن أتذكر يوماً ..؟!"(خوليو)

" الحرية بالنسبة لي هي: تعبير عام وغير محدود عن كل ما هو خاص بأي منا... مشروع كان أو غير مشروع.. واقع كان أو حلم؛ التنفس حرية... الحب حرية... الجنس حرية... الدموع حرية... لكن أي من ذلك لا يمكن أن يعد بمثابة صورة من صور الحرية ما لم يكن محاطاً بإطار حقيقي من الحرية! هذا الإطار هو حرية الفكر والتعبير... حرية العقل... التي تخلق حرية الإرادة، وبالتالي: الحرية الحقيقية..." (لويس)

" أستطيع أن أشعر بموسيقتي الخاصة، وأن أستمع إليها حين أرى حبيبتي (آنابيل)... ولا أكن متأكداً إذا ما كانت هذه الموسيقى مسموعة أم لا! إيقاع دقات قلبي يصبح مرتبكاً كراقص جديد في أول دروس الرقص! وأسمع أنفاسي وكأنها ترانيم قديمة مألوفة، وأشعر وكأن هذه الترانيم قادمة من عنان السماء، وأسمع صوت خطواتي في خلفية هذه الموسيقى كطبول حرب باتت وشيكة... فعلت منبهةً جموع المحتشدين بقرب مشرق أنوار أميرتهم المحببة، لتبارك الجنود المغادرين إلى الحرب." (لويس)

"بحثي هو فقط عن الحقيقة، وسوف لن أبرح مجلسي تحت هذه الشجرة قبل أن أجد طريقي إلى التنوير..." (بوذا)

"من هو (لويس)؟ ببساطة: قوة وطاقة من التمرد، غير محدودة وغير موجهة...!عطش دائم للمعرفة...!"(خوليو)

"عند نهاية هذا النفق، ستجد حقيقة أمرك، ستعثر على نفسك، وعلى الحقيقة التي طالما بحثت عنها، فقط أملك الإرادة لأن تسير هذه الأمتار القليلة، أملك الشجاعة، المكان جد مظلم هناك... سأنيره لك، ولتعلم أن هذه معجزتي لك، تذكر يا (لويس)، هي الأولى والأخيرة..." (.......)

"هل كُلّ ما نَرى أَو يبْدو لنا...هو لاشئ سوى حلم ضمن حلم..؟" (إدجار آلان بو)
"أصر بيوم أن يحضر ثلاث صلاوات بيوم واحد، أولها بمعبد يهودي، وثانيها بمسجد إسلامي، وثالثها بكنيسة أرثوذوكسية، وحينما عاد ليلاً، وجدته يتلو بعضاً من تعاليم (بوذا)..!" (خوليو)
"إن الندم كان دائماً هو أكثر قاتلي الإنسان قسوة وإنعداماً للرحمة عبر التاريخ.. بعض ممن قتلهم ذلك الوحش، يرقدون في قبورهم الآن..، وبعضهم الآخر، لايزال بيننا، نكلمهم ونخاطبهم، نزورهم ويزوروننا... ظناً منا أنهم أحياء... ومن رحمة الله أننا نحيا وأياهم بهذا الاعتقاد الخاطئ..!" (      لويس)

"لازلت أراه هائما حولي إذ يحل المساء، أراه جالساً بجوار المدفأة، يقرأ مذكرات (سارتر) أو يتلو على مسامعي قصيدة لـ (بو)... يحرك يديه يميناً وشمالاً، تفاعلاً مع أحد أبيات القصيدة، ويزجرني إذ يلحظ شرودي أثناء قراءته... ثم لا يلبث أن يختفي، أو أختفي أنا..!" (خوليو)

"يا كل ما أملك، ينبغي على الآلهة أن ترسل لنا من الأقدار أفضل ما يكون..!" (بيتهوفين)

"ولكن حبنا كان أقوى بكثير من حب كل الذين قبلنا... حب من كانوا أكبر منا عمراً... وأكثر منا حكمة... فلا ملائكة الجنة بأعلى السماء... ولا الشياطين في أعماق البحار... يمكنها أن تقطع روحي عن روح حبيبتي (آنابيل لي).." (إدجار آلان بو)





(41)
24\يناير
عزيزي السيد \ خوليو ل. ألابان

لازلنا ننتظر أن تحدد موعداً لمناقشة مذكرات صديقك ( السيد "لويس") التي أرسلتها إلينا، والمعنونة بـ "ترانيم"...
تلك الأوراق القديمة التي حملتها عن صديقك طيلة هذه السنين، من الممكن جداً أن تكون سبب ثرائك، إذ أن فريق العمل بدار النشر يقيمها كعمل مميز بحق، ولكن...
لازلنا نتوقع أن يكون هناك صفحات أخيرة لم تصلنا مع ما أرسلتنا مسبقاً، برجاء التأكد من عدم ضياع أي أوراق..

لازلنا نأمل في لقائك سيد (خوليو)، للحصول على المزيد من التفاصيل حول حياة صديقك القصيرة، عسانا نتوصل إلى نهاية إفتراضية للمذكرات إذا لم يكن لديك المزيد من الأوراق...

لعل حلمك بنشر مذكرات صديقك، قد أقترب جدا من أرض الواقع سيد (خوليو)...
نشكر لك إهتمامك بالتعاون معنا...

أطيب التمنيات؛

(نيكول بوتر)




(42)



11\فبراير
السيدة المحترمة \ نيكول بوتر
تحية طيبة؛

إستلمت خطابك منذ ما يقارب الأسبوعين، وأعتذر عن تأخر ردي...
حقيقة، لا أستطيع أن أجد الكلمات، ولكن يحزنني إبلاغكِ بأن والدي: السيد\ خوليو لويس ألابان، قد رحل عن عالمنا في الخامس عشر من الشهر الماضي.. وفي الواقع؛ أربكني خطابك فور وصوله، حيث لم يكن لدى الأسرة علم باية مراسلات تمت بينكم وبين والدي...
لم نسمع يوماً بالسيد \ لويس كأحد أصدقاء والدي... ولكن لويس هو إسم جدي، وللأسف الشديد، فإن جدي قد توفي قبل ولادتي، وبالتالي؛ أخشى أنه لا يمكنني مساعدتك..
الشئ الوحيد الذي أعلمه - وأتمنى أن يفيدك – هو أن والدي قد عكف خلال الأشهر الخمس الماضية على كتابة مذكراته، ولكنني لم أعثر على ما كتبه حتى الآن..
مر أبي بأوقات صعبة بعد الرحيل المفاجئ لوالدتي إبان الصيف الماضي، وكنا جد قلقون بشأنه مؤخراً، ولكن إرادة الله قد نفذت في آخر الأمر...
أصدق تعازينا لك، ولأنفسنا من قبلك؛

عائلة (ألابان)
عن العائلة / (آنابيل ألابان)




تمت

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- 
إهــداء

1)      إلى من أهداني أول كتاب،،،
و علمني قدسية القراءة،،،
وهداني إلى أنبع المعرفة منذ الصغر،،،

2)      إلى من إنتشلتني من رحلة إلى المجهول، ولبت نداءات غوث أبت أن تفارق شفتـيَ،،،

3)      إلى كل من أحبني، وربت على كتفيَ، صغيراً وكبيراً،،،

4)      إلى كل من يخشى أن يواجه حقيقة ما يكون، لعلني أساعده على المواجهة،،،

محمد
أغسطس 2008

العمل مسجل بالشهر العقاري في يناير 2009 ضمن مجموهة قصصية بعنوان (وشاح)