الثلاثاء، 26 يونيو 2012

تحية صباح مختلف تماما

تحية صباح مختلف تماما


إحتراماً للرئيس المنتخب، وتقديسا للشرعية والقانون، قررت ألا أتوجه بالنقد لرئيس مصر الجديد خلال المائة يوم الأولى من حكمه، حتى يستوي على كرسي الحكم، وبعد ذلك أجد لنفسي مطلق الحرية في نقد ما لا أقبله...
عامة، أتعشم أنني سأكون قد غادرت مصر خلال هذه الفترة (مائة يوم) صوب أي بقعة من بقاع الأرض أجد فيها متنسما للحرية ، وأترفع فيها عن استنشاق بوادر رياح الإنتقام والغل والتشفي والحقد الدفين التي بدأت في الظهور...
منذ قليل وصفني محمد البلتاجي (كأحد من صوتوا لشفيق) بأنني شبح، ومنذ دقائق أضاف المدعو صفوت حجازي بأنه (آن الأوان لنتف ريش الدجاج الذي صوت للفريق شفيق) وأنا هنا أجد نفسي فخور بكوني دجاجة فهي والله أحب ألي من أحشر مع أمثال وأتباع البلتاجي وصفوت حجازي...



أيها الإخوان المسلمون : أستودعكم وطني، حيث ولد أبي وأمي، حيث نشأت وعشت وتكونت، وحيث وارى التراب جدود وجدود، أستودعكم إياه أمانة، فرفقاً برفات جدودي، فهي أطول عمراً من سلطة مصيرها الزوال ولو بعد حين...



أخيراً أترككم مع كلمات الكاتب والمفكر الكبير جمال الغيطاني إذ قال اليوم:
"لا أبالغ عندما أقول وداعاً لمصر التي نعرفها، ونحن نتوجه إلى المجهول مع رئيس مرؤوس، هذا جديد في حكم مصر، كان الحاكم في مصر ذروة الهرم، لأول مرة نحكم برئيس له رئيسان، الأول حقيقي، بيده القوة المادية، والآخر روحي له الولاية والتوجيه، فكيف يستقيم الحال"
أترك لكم مهمة إجابة سؤال كاتبنا القدير...



أبو كريم

السبت، 16 يونيو 2012

الإخوان، والعسكر، والشعب... كش ملك!


الإخوان، والعسكر، والشعب... كش ملك!


والله إنى أرى أهل المحروسة على مرمى أمتار قليلة من الإستفاقة من تأثير مباخر الشيوخ الداعين إلا كل شئ عدا الدعوة إلى الله!
يتضح جليا من مقدمة حديثي هذا أنني ضد الإخوان المسلمين والتيار السلفي، وهو شرف لا أنكره، وواقع الأمر أن طرحي هذا يتعلق بالأسباب والدوافع ليس إلا، خاصة أنه ليس لي أية خصومة شخصية مع الإخوان كجماعة، كحزب، أو كأفراد يجمعني ببعضهم علاقة زمالة وصداقة وجيرة، والأمر كذلك فيما يتعلق بالتيار السلفي ومن يمثلونة حزبيا أو شعبياً...
ولكن، بما أن الشعب المصري ضعيف الذاكرة، وبما أننا كمصرين – للأسف الشديد – برعنا منذ الأزل في تأليه الحاكم، وصناعة التماثيل للحاكم، ووضعه فوق المحاسبة وترقيته ورفعه لمكانة الخلفاء والأولياء المنزهين عن الخطايا والشرور، أجد أنه ينبغي علينا كشريحة محدودة من مصريين لايزالون – لسبب أو لآخر – يتذكرون الحد الأدنى من تاريخهم، أن نقوم بدورنا في النشر والتذكير بالماضي القريب، ماض قد ذابت أغلب ملامحة اليوم، وإن ظلت معظم جراحاته تئن وما تندمل.
أنا هنا لست بصدد تشويه الطرف الآخر، وإن كنت فقط سأستهل حديثي بسرد وقائع تاريخية مثبتة وإن كان البعض سينسج من كلماتها هجوما إعلامياً مضللاً لست أنا بأحد محترفيه...
عندما يقوم الإخوان – قبل وصولهم إلى السلطة – بعدة خطايا سياسية ألخصها فيما يلي، مؤكداً على ضرورة ملاحظة أن ذلك يأتي ممن لم يصلون لسدة الحكم حتى تاريخه:
نبرة التهديد ونغمة الوعيد: إن لم يفز محمد مرسي فهي مزورة! ولو زورت الإنتخابات فستكون ثورة ثانية (((أقل سلمية)))!
التقديس: مرسي هو مرشح مدعوم من (الله)!! وإنتخابه واجب شرعي!
التخوين: من صوتوا أو سيصوتون لشفيق خانوا دم الشهداء! وما فعلوه يندرج تحت بند الخيانة العظمى!
إستجداء المشاعر: مرسي مرشح الثورة وهو وحدة القادر على الثأر لدماء الشهداء الأبرار الأطهار دون غيره!!
التخويف: تصويتك لشفيق هي أمام الله شهادة زور ستساءلون عليها أمام الله!!
الإستعداء: وهو ما برع فيه ممثلوا الإسلام السياسي من خلال المجلس المنحل من خلال توجيه سهام التخوين والعمالة لكل أطراف الدولة وكان آخرها القضاة!!
الكذب: وهو ما تم من خلال تغيير المواقف وإدعاء ملا يتم الإلتزام به فيما بعد.
التكفير: من يصوت لمرشح يدعمه الأقباط فهو ضد الإسلام، والنصويت لشفيق حرام!
والآن، أرجو أن تقبلوا دعوتي بالدخول معي إلى آلة الزمن، نبحر سوياً في ماض قريب، لم يلحق به أغلبنا، ولننظر سوياً فيما كان حال الجماعة حينها، وما كان رد فعلها كقوة معارضة سياسية تجاه عدة أنظمة حاكمة:
المحطة الأولة 1945: الإخوان تقوم بإغتيال رئيس وزراء مصر أحمد ماهر
لمن لا يعرفون أحمد ماهر فهو قد تقلد وزارة المعارف في وزارة سعد زغلول التي سميت وزارة الشعب سنة 1924.. هو أخو علي ماهر رئيس وزراء مصر الذي تولي رئاسة الوزراء في حكومات عديدة في عهد الملك فؤاد و ابنه الملك فاروق.
انفصل أحمد ماهر مع محمود فهمي النقراشي عن حزب الوفد و شكلوا الحزب السعدي سنة 1937 علي أساس أنه الممثل الحقيقي لأفكار و اتجاهات سعد زغلول. بعد إقالة وزارة النحاس، كلف الملك فاروق أحمد ماهر بتشكيل الوزارة في أكتوبر 1944، و كانت وزارة من أحزاب الأقلية. ثم جري حل البرلمان و إجراء الانتخابات في يناير 1945
كان أحمد ماهر من آرائه دخول مصر الحرب العالمية الثانية إلي جانب الإنجليز لأن ذلك سيعطي الجيش المصري خبرة ميدانية يفتقدها، فهو جيش لم يدخل حرباً منذ عهد محمد علي، لذلك فهو غير قادر علي حماية مصر وبالتالي حماية قناة السويس، و هي الذريعة التي تتذرع بها بريطانيا لإبقاء قواتها في مصر.
عرض أحمد ماهر موضوع دخول مصر الحرب علي البرلمان، و بينما كان البرلمان يناقش الأمر، قام شاب مصري معارض اسمه محمود العيسوي باغتيال أحمد ماهر يوم 24 فبراير 1945م و هو في البهو الفرعوني في البرلمان المصري.
أقر محمود العيسوي انه أقدم علي اغتيال أحمد ماهر لقيام الحكومة برئاسة أحمد ماهر بتزوير الانتخابات – وفقاً لرأي الجماعة - في دائرة الإسماعيلية لاسقاط حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين و انجاح مرشح آخر تراه الجماعة موالياً للإنجليز. محمود عسوي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين!
المحطة الثانية 1948: الإخوان تقوم بإغتيال النقراشي باشا (أحد قيادات ثورة 1919)
النقراشي باشا ولد بالاسكندرية عام 1888 وتخرج في مدرسة المعلمين العليا وعمل مدرسا بمدرسة رأس التين الثانوية وتنقل في مناصب التعليم الي ان عين سكرتيرا عاما لوزارة المعارف ثم وكيلا لمحافظة القاهرة واختير عضوا في الوفد المصري مع سعد باشا زغلول ثم اصبح وكيلا لوزارة الداخلية وأحيل المعاش واعتقل عقب مقتل السردار الانجليزي سيرلي ستاك سنة 1924 ثم أفرج عنه وصار وزيرا للمواصلات سنة 1930، تألق نجمة وتولي رئاسة الوزارة مرتين: الاولي في 24 فبراير سنة 1945 حتي 15 فبراير سنة 1946 والثانية في 9 ديسمبر سنة 1946 حتي اغتياله.
ومن المواقف الوطنية المشهودة للنقراشي باشا انه أعلن علي الملأ في مجلس الامن يوم 5 اغسطس 1947 انه علي بريطانيا الجلاء التام ودون أية شروط! ومن أعمال وزارته: كهرباء خزان اسوان وانشاء كلية الضباط البحرية بالاسكندرية وانشاء البنك الصناعي وقناطر ادفينا وتأميم شركة النور بالقاهرة وغير ذلك الكثير...
يذكر المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي (1889 ­ 1966) ان النقراشي باشا كان وطنيا شريفا نزيها نظيف الذمة المالية ومن القلائل الذين لم يتربحوا من وراء مناصبهم.
من قتل المقراشي؟  القاتل اتضح في حينها انه ضابط مزيف كان يتردد علي قهوة بالقرب من وزارة الداخلية  حيث كان النقراشي رئيسا للوزارة ووزيرا الداخلية في آن واحد. الاسم الحقيقي للقاتل والضابط المزيف هو عبدالحميد احمد حسن وكان طالبا بكلية الطب البيطري وعندما سأله المحقق عن مصدر البدلة العسكرية اجاب بتهكم: في 'سوق الكانتو منها كتير '.. وقد تحمل الجاني ضرب الجماهير وهو في طريقه الي غرفة الاميرالاي محمود عبدالمجيد بك مدير المباحث الجنائية وقال في هدوء وثبات.. 'أيوه قتلته واعترف بكده لانه اصدر قرارا بحل جمعية الاخوان المسلمين وهي جمعية دينية ومن يحلها يهدم الدين.. قتلته لاني أتزعم شعبة الاخوان منذ كنت تلميذا في مدرسة فؤاد الاول الثانوية.
المحطة الثالثة أيضاً 1948: الإخوان تقوم بإغتيال القاضي أحمد الخازندار
أحمد بك الخازندار رجل قانون وقاضي مصري (وكيل استئناف). سجل اسمه في تاريخ الاغتيالات في مصر التي أدين فيها أفراد منتمين لجماعة الإخوان المسلمين، نظرا لكونه كان ينظر في قضية أدين فيها أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين!!
تفاصيل واقعة الاغتيال أن المستشار أحمد الخازندار كان خارجا من منزله بشارع رياض بحلوان ليستقل القطار المتجه إلى وسط مدينة القاهرة حيث مقر محكمته. وكان فى حوزته ملفات قضية كان ينظر فيها وتعرف بقضية «تفجيرات سينما مترو»، والتى اتهم فيها عدد من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين،أيضا وما إن خرج من باب مسكنه حتى فوجئ بشخصين هما عضوا جماعة الإخوان حسن عبد الحافظ ومحمود زينهم يطلقان عليه وابلا من الرصاص من مسدسين يحملانهما. أصيب الخازندار بتسع رصاصات ليسقط صريعا مضرجا فى دمائه وحاول الجناة الهرب سريعا لكن سكان حى حلوان الهادئ تجمعوا فورا عقب سماع صوت الرصاصات التسع وطاردوا المجرمين، فقام أحدهما بإلقاء قنبلة على الناس الذين تجمعوا لمطاردتهما فأصابت البعض، لكن الناس تمكنوا من القبض عليهما. وفى قسم الشرطة عثر بحوزتهما على أوراق تثبت انتماءهما لجماعة الإخوان المسلمين لتقوم النيابة باستدعاء مرشد الجماعة آنذاك حسن البنا لسؤاله حول ما إذا كان يعرف الجانيين الا أن البنا أنكر معرفته بهما تماما(!) لكن النيابة تمكنت من إثبات أن المتهم الأول حسن عبد الحافظ كان «السكرتير الخاص» للمرشد العام للجماعة حسن البنا، وهنا اعترف البنا بمعرفته للمتهم إلا أنه نفى علمه بنية المتهمين اغتيال القاضى الخازندار.
المحطة الرابعة 1948: الإخوان تقوم بإغتيال (عضو الجماعة) المهندس سيد فايز
كان المهندس يتبع جماعة الإخوان بل وكان عضوا في النظام الخاص ولكن اعترض عليهم في قتلهم للنقراشي  فكان جزاؤه القتل .
في ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ذهب شخص ما بصندوق من حلاوة المولد وطرق باب السيد فايز في شارع عشرة بالعباسية وسلم صندوق الحلوى إلى شقيقته قائلا إنه لايجب أن يفتحه إلا السيد فايز،  بالفعل حضر السيد فايز وتسلم الصندوق وبدا بفتحه وإذا بالصندوق ينفجر ويودي بحياته، حيث كان بداخله قنبلة!
المحطة الخامسة 1954: الإخوان تحاول إغتيال جمال عبد الناصر (قائد ثورة 1952)!
هي أحد أشهر الحوادث (المعلن عنها) وسميت بحادثة المنشية حيث تم إطلاق النار على الرئيس جمال عبد الناصر، في 26 أكتوبر 1954 أثناء إلقاء خطاب في ميدان المنشية بالإسكندرية بمصر، ولكنه نجا من الحادث. ثبت مسئولية الإخوان المسلمون عن ارتكاب هذه الحادثة وتمت محاكمة وإعدام عددا منهم. وهي الحادثة الأساسية التي أثرت في أسلوب تعامل كافة الأنظمة الساسية الحاكمة في مصر مع الإخوان حتى قيام الثورة.

نهبط من آلة الزمن، لنراجع تصريحات مرسي والشاطر والمرشد محمد بديع، نقف على شاطئ نيل مصر الخالد، تداعب نسائمه خصلات من شعر شرد مبتعداً عن جذوره، ونتمتم: ما أشبه الليلة بالبارحة! نشتم رائحة دماء زكية، سالت منذ عشرات السنين، عزز من رحقها دماء زكية أخرى سالت في مدن مصرمنذ قرابة الستة عشر شهراً، تهب الريح، نرتجف، ونوقن أن المزيد من دماء هذا الوطن سيسال ويهدر في ما هو قادم من الأشهر، النيل الخالد آخذ في الإحمرار، مصر تتشبث بأناملها الواهنة على الشاطئ، تناشد قرابة التسعين مليوناً أن يهبوا لنجدتها، وما من مجيب! تعاود عقولنا العمل، فنعود لتأمل الحاضر، ونعاود التفكير:
التنظيم السري الخاص بالإخوان – أو ما يطلق عليه أحياناً – التنظيم الخاص هو من كان مسئولاً عن تنفيذ التصفيات والإغتيالات في ذلك الزمن، والتنظيم لا يزال قائماً إلى يومنا هذا وإن كان بآليات مختلفة على ما يبدو. بمطالعة ملخص الأحداث في مصرنا المحروسة خلال الستة عشر شهراً المنقضية، نجد أن خطاب الإخوان التهديدي والتكفيري والتوعدي في الأيام القليلة المنصرمة، هو نفس نهج الإخوان عام 1948! أربعة وستون عاماً قد مضت، والعقول وكأنها متحجرة لا تتأثر بعوامل الزمن، لا يزالون ينطقون بلسان حسن البنا، لا يزالون ناقمون على الجميع، فالكل مسئول اليوم عن موت البنا، والحساب آت لا محالة، ودم البنا لن يجف إلا بالمزيد والمزيد من دماء الإنتقام.
أما عن مجلس العسكر، فنراه يراوغ تارة ويواجه تراة أخرى ثم يرواغ قبل أن يواجه مجدداً! فبعد إن إشترك العسكر مع الإخوان في ثورة أطاحت بنظام حسني مبارك، إتفقا على كل شئ على ما يبدو، وكانت الغنائم مقسمة بوضوح، إلا أن الظاهر يؤكد أن خلافاً قد نشب بينهما، فكان ما كان من حل لمجلس الشعب تأخر شهوراً بدون مبرر ثم أصدر الحكم في توقيت غير مبرر أيضاً! قانون "سليمان" الذي كان سيستخدم في عزل شفيق كان معروفاً منذ البدء أن به عوار دستوري فاحش! ولكن يبدو أن الإتفاق كان على ما هو غير ذلك أيضاً!
والآن نحن نتابع ما يشبه مباراة شطرنج عمرها يتجاوز العامين، ولكنني أرى أن القيادات الحقيقية غير معلنة! حماس وحزب الله يدعمون فصائل الإسلام السياسي في مصر، وقطر أيضاً في الصورة، ورغم أن القارئ قد لا يستسيغ فكرة دعم الشيعة للسنة أو تحالفهما، فأنني أراه وارداً، وحدث تاريخياً من قبل بين نفس هذه الأطراف. والمجلس أيضاً خلفه من خلفه، وإن كان الجزم بحقيقة من خلفه أكثر صعوبة عن الإخوان، ولكن الصراع اليوم هو فقط صراع سلطة وليس صراع ديني أو صراع أيدولوجي منبثق من دافع وطني!
أما نحن، عموم أهل المحروسة، المتشتتين بين الغواية بإسم الدين والغواية بإسم الحرية، نجد أنفسنا اليوم، صبيحة اليوم الأول من إنتخابات الإعادة، منقسمين، أرواحنا مهلهلة، الشباب فينا مايزال ثائراً، والعجوز فينا قد ضجر مللاً، ومن هم في مثل عمري حائرون. والحيرة هنا لا تعني أنني متحير فيما يخص إختياري بين المرشحين، فالأمر بالنسبة لي محسوم، ولكنني حائر في حقيقة أن صوتي الإنتخابي سيكون ذي صفة أم لا؟ هل هي حقاً إنتخابات حقيقية برغم ما أعلنه كافة المراقبون من نزاهة شهدتها بنفسي في الجولة الأولى؟ أفكر في أبنائي، هل سيصطحبهم مرسي معه برفقة صفوت حجازي إلى غزوات التحرير وفتوحات الإخوان؟ هل سيحمل كريم وزياد – أبنائي – السلاح خلف هؤلاء ليجدون أنفسهم على حدود طهران - مثلاً؟
يفزعني مجرد التخيل، ويطمأنني قلبي بأن شفيق رابح لا محالة، ولكنني أعلم أن مباراة الشطرنج لازالت قائمة بين طرفين لا يظهران على السطح، عمر سليمان العقل الحقيقي للدولة المصرية ورجل المخابرات المشهود عالمياً بكفائته، ومهدي عاكف المرشد الفعلي للإخوان وعضو التنظيم الخاص للإخوان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي! يتبارون على رقعة شطرنج غزلت من دماء الشباب، من أحلام البسطاء ومعاناة الفقراء، من صرخات أم ثكلى ونحيب أطفال جائعة عطشى، لا تجد ما يروي ظمأها ويشبع جوعها. البيادق في رقعتهم هم أنا وأنت، أمي وأمك، أبي وأبيك، إخوتي وإخوتك، نقاتل بعضنا البعض، وعلى جانب الرقعة يصطف أبناؤنا منتظرين دورهم في صراع لا طائل لهم به ولا ناقة لهم فيه ولا جمل!
أتذكر، وأعقل الأمور، فأراني أميل لدعم عمر سليمان، وأسر لنفسي: حتى وإن أعاد شفيق دولة مبارك، فهي أهون على أولادي من دولة أحمدي نجاد! دولة مدنية ينخر في اساساتها الفساد أفضل من دولة دينية ماضيها الدم وحاضرها العنف والتهديد والوعيد ومستقبلها حروب وأشلاء في الداخل والخارج.
لهذا أميل إلى التصديق بأن الولايات المتحدة، تدعم فعلياً جماعة الإخوان! فهم يريدون دولة إسلامية أخرى في الشرق الأوسط، تقف في المستقبل القريب ضد إيران نجاد، وهو ما يحدث فعلياً الآن في سوريا، فالصراع الحقيقي في سوريا الآن هو بين السنة والشيعة، السنة تدعمها القاعدة وحماس مستغلين حماس الشباب الذي أنتهكت أحلامه حال أغلب شباب الأمة العربية، وبين الشيعة في مقدمتهم العلوي بشار الأسد مدعوما من إيران وحزب الله متشبثاً ببقايا السلطة! ولذلك نجد أن المجتمع الدولي صامت على مذابح الأسد على عكس ردة فعل الجميع في ليبيا، فما هو الفارق؟ المطلوب هو حرب إسلامية-إسلامية، بين السنة والشيعة، أنظر للعراق وسوريا تجد الأمر جد جلي.
ولكن ماذا حدث في تونس وليبيا؟ ارى أن الأولية تخالف التوقيت الزمني للأحداث، فليبيا هي الهدف من البداية، والأمر ليس سياسيا أو انتقاميا مع القذافي وإلا لكان قد تم تصفيته منذ زمن، ليبيا هي صحراء راقدة على بحر من البترول، والحرب العالمية القادمة سوف تكون حرب طاقة، والأمريكيون كعادتهم أدركوا ذلك مبكرا، لأنهم يفكرون! واليوم: بعد التواجد الأمريكي في امبراطوريات البترول الخليجية، وبعد العقود التي حصلت عليها شركات البترول الأمريكية في العراق بعد تدميرها، وبعد تقسيم السودان إلى جنوب بترولي، وشمال فقير، ماذا بقي في المنطقة غير ليبيا؟؟ إذن فالمراد منذ البدء هو بترول ليبيا، وتونس وثورتها كانت مجرد مقدمة...! وقادم السنين سيرينا كيف سوف تقسم ليبيا إلى دويلات نفطية تهيمن عليها الولايات المتجدة، ودويلات صحراوية سيسلمونها لإسلاميين القاعدة في تونس! سنرى.
ولكن وطني مصر، ما هو الدور المطلوب منه؟ أرى بعد قراءات عديدة، وبعد الغوص في قلب صحف التاريخ المهملة، أن الولايات المتحدة الإسلامية والتي دعى إليها صفوت حجازي وأزيد على ما قاله لقب "السنية" هي أمر تريده الولايات المتحدة بشدة! وهي الإمبراطورية التي سوف تواجه نجاد "الشيعي" وسلاحه النووي الذي يؤرق إسرائيل، فبوصول الإسلاميين المتشددين لسدة الحكم في مصر وسوريا وتوحدهم مع حماس، مدعومين من دويلات إسلامية في تونس وليبيا واليمن، لن ينطلقون كما يرددون نحوغزة لتحريرها، بل سيكون الهدف هو مجابهة طهران.
نعاود الإبحار في أوجاع نيل المحروسة، كم من الأسرار حفظت أيها النيل الخالد؟ كم من أحداث شهدت؟ كم قتيلا بكيت، وكم حلما راحلاً قد شيعت؟ كم من عاشق أفضى اليك بشكواه فأنصت؟ وكم من غزاة بهروا لمرآك؟ وكم من خائن تآمر ضد مصرنا على ضفافك؟ أتنهد، تتردد نغمات رائعة عبد الوهاب النهر الخالد في أذني وتنساب إلى مخيلتي، فيقاطعها صوت رصاصات ألفناها مؤخرا فتفارقني نغمات عبد الوهاب بغير رجعة، أجفل، وأفكر...فأعود للإخوان من جديد، هل يرتضون بهذا السيناريو الأمريكي عند وصولهم للحكم؟ أجيب أوتوماتيكيأ: الإخوان يتحالفون مع كائنات الفضاء لو استدعى الأمر للوصول للحكم، والإجابة نعم بالتأكيد!
فماذا عن شفيق؟
أحمد شفيق لا أرى أنه كان من المرضي عنهم في النظام الدكتاتوري البائد لمبارك وإلا لكان قد تقلد رئاسة الوزراء منذ زمن غير قصير، وأرى أيضاً أنه ليس من المشاركين في الإنقلاب العسكري السلمي الذي قام به العسكر بالمشاركة مع الإخوان للتخلص من مبارك ونسف مشروع التوريث لجمال مبارك والذي كان مقرراً أن يتم في سبتمبر 2011 بمباركة أمريكية خادعة، وهذا الإتقلاب العسكري السلمي بالمناسبة هو ما يعرف في الأوساط الشعبية بإسم "ثورة 25 يناير"!
فلم لا؟ قالوا أنه فاسد وسارق، ولم يثبت شئ! قالوا أن البلاغات ضده يتم حفظها وأكدوا أنه محمي من المجلس العسكري والنائب العام فلم يطاوعني عقلي على التصديق وأنا أرى مبارك ملقى في طرة منفذا لعقوبة السجن المؤبد! قالوا أنه مهندس موقعة الجمل التي راح ضحيتها إثنى عشر شاباً مصرياً، فشعرت بريبة تعتريني لإصرار الإخوان وآلتهم الإعلامية الظاهرة والخفية على إثبات هذه التهمة بشفيق تحديداً في تصعيد متواصل تزداد حدته كلما اقترب موعد الإنتخابات، دون أي اكتراث لمحاسبة المسئولين عن مقتل ما يزيد عن مائة شاب مصري "أيضاً" ما بين أحداث محمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء! واستنتجت أنه ليس من المهم في نظر الاخوان محاسبة المسئولين عن هذه الأحداث في هذه المرحلة، حيث أن المسئولين عنها ليس من بينهم خصم في انتخابات الرئاسة! وبفتح الملف من جديد، ومراجعتي لتاريخ وأحداث موقعة الجمل وتسلسلها، أصبحت موقناً أن إعادة فتح هذه القضية الآن والتحقيق النزيه في أحداثها لن يصب مطلقاً في صالح الإخوان، بل ربما يكون العكس! قالوا أنه حرق مقرات أمن لدولة، فعدت لتواريخ الأحداث فوجدت أن عصام شرف عين رئيسا للوزراء في 3 مارس 2011 في حين تم حرق المقرات بدءاً من يوم 5 مارس! إذن فهي حرب إعلامية ضروس ليس إلا!
فلماذا ينبغي علي أن أرفض شفيق؟ هل لأنه فشل في إدارة أمور الدولة من موقعة كرئيس وزراء خلال تسعة وعشرين يوماً لم يكن هناك خلالها أي تواجد لحائط الصد الأمني الأول في أي دولة في العالم ألا وهو الشرطة؟ هل أرفضه لأن الأقباط يدعمونه مثلاً؟ لماذا؟ هم معذورون بطبيعة الحال في مناصرة أي مرشح ضد مرشح إخواني أو سلفي!
يحضرني هنا حوار قصير مع زميل عمل محبب إلى قلبي، وهو ينتمي إلى التيار السلفي المعتدل، كان سوف يناصر حازم أبو إسماعيل لو أكمل سباق الرئاسة، وكان ليس على وفاق مع الإخوان، وبعد الجولة الأولى وجدته مناصراً لمرشح الإخوان، فسألته عن كيفية قياس الأمر من وجهة نظره، وهل الأمر ديني أم سياسي، فوجدته مقتنعا بفساد شفيق وكونه سيعيد انتاج نظام مبارك، فسألته طالما أن الأمر سياسي بحت، فمن تختار لو جرت الإعادة بين الأنبا باخوميوس والفريق أحمد شفيق؟ أجاب بدون تفكير: شفيق طبعاً!
فأجبته بأن هذا الرد يبرئ ساحة الأقباط ممن لم يصوتوا لمرشح الإخوان تماما من تهم الخيانة التي رشقت في صدورهم لانحيازهم لشفيق...
منهج الإخوان والسلفيين في عمومه هو ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين. ففي الوقت الذي يصدرون فيه الأحكام – غير المثبتة بأي قرائن أو أدلة – بإدانة شفيق في موقعة الجمل والفساد المالي والتربح وخلافه، تجدهم يدافعون عن أكاذيب حازم صلاح أبو إسماعيل، والبلكيمي، ويدافعون عن نائب الفعل الفاضح علي ونيس رغم وجود أدلة ضد بعض منهم وتلبس البعض الاخر!!!
وكم من الجرم والتدليس يرتكب بإسمك أيها الدين!
مبارة سليمان وعاكف لاتزال مستمرة، والشعب بدأ التصويت فعلاً، والبعض القليل يدعو للمقاطعة وإبطال الصوت في مراهقات سياسية لا تنم إلا عن إنعدام خبرة، ونحن منتظرون نتيجة مبارة الشطرنح التي سوف يحدد على إثرها نتيجة الإنتخابات، ويتحدد معها مصير مصر ومستقبل أبنائنا وبناتنا...
الحرب الإعلامية تستعر، والإتهامات المتبادلة تصل للشذوذ الجنسي والصرع بخلاف السرقة والفساد والتزوير وشراء الأصوات كما هو معتاد منذ البدء، ونحن لازلنا ننتظر مصائرنا في يأس يعتريه أمل متقطع من آن لآخر.
هل يخيب شفيق ظني فيستحيل مباركاً آخر فور أن تلمس قدماه سلم القصر؟ هل يفوز مرشح الحرية والعدالة فيعتقل شفيق صبيحة اليوم التالي؟ أضحكني ظني هذا، فتوقفت عن التفكير قليلاً، شعرت بحاجة ماسة إلى فنجان القهوة الذي يعده لي (عم سعيد) بالمكتب كل يوم، تذكرت حوار مع صديق عزيز من جماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة، قلت له أن حزبهم الوليد لو لم يطبق من مبادئ الكون سوى اسمه فقط (الحرية والعدالة) لأكونن له من المناصرين والمؤيدين، ومرت الأيام ولم أذكره بوعده لي في حينها... وشردت... أي حرية إذا اتهمت بالخيانة العظمى والكفر لتصويتي للفريق شفيق؟ أي عدالة في تخوين رجال القضاء والشرطة والجيش والإعلام، وإصدار قوانين أقل ما توصف به أنها قوانين إنتقائية مجحفة تعارض أبسط مبادئ حقوق الإنسان لأهداف شخصية، فأين الحرية أيها الإخوان اليوم؟ وأين العدالة؟ وأين يكون مستقرهما غدا إن وصلتم للعرش؟!؟
عاودني القلق، ورغم يقيني أن رأس الأفعى هي أساس السم، وأن أصدقائي وزملائي من الإخوان والسلفيين هم فقط مضلَلين - بفتح اللام - وغسلت أدمغتهم بماء المرشد المبارك، إلا أنني أخشى – كما أخبرتهم يوماً – أن نُصبح ذات يوم وقد أشهر كل مننا سلاحاً في وجه أخيه! أهز رأسي يميناً ويساراً، لأطرد الفكرة من مخيلتي، وأفكر مجدداً...
غالب الظن والأمل أن الإخوان قد هدموا المعبد فوق رؤوسهم وأهدروا فرصة تاريخية لتحقيق حلم حسن البنا، ونحمد الله علة ما هم عليه....
وفي خضم قلقي على غد أبنائي، وخوفي على مصر من مستقبل دموي إنتقامي، قررت أن أسافر غداً لأصوت للفريق شفيق في مسقط رأسي بالقليوبية، وأن أقوم بدوري كاملاً، في إنتظار نتيجة مبارة الشطرنج بين الثعلب والمرشد.
إخترت أن أكون إيجابيا، وأن أتوجه لأصرخ: لا لدولة المرشد، قبل أن أقول نعم للفريق شفيق...
سوف أدعم مدنية الدولة، وأواجه خطاب التكفير بصدر عاري...
أخترت ألا أتجاهل تاريخ التنظيم السري للإخوان... إخترت ألا أنسى ماض عامر بالمؤامرات وتقديس الذات وجنون تواق للسلطة، وألا أتجاهل حاضر نهاره تهديد ووعيد وليله تكفير وتدليس، وفجره كبت وإنتقام...
إخترت ألا أغامر بمستقبل أبنائي وألا أعاند مصلحة الوطن باللهاث خلف إفتراءات غير مثبتة وجهت وسوف توجه للفريق شفيق...
أقول هذا وأنا آمل ان تنتهي المباراة بفوز الثعلب، وآمل ألا يعيد شفيق نظام مبارك، وأتمنى أن يثبت خطأ معارضيه إن وصل لسدة الحكم، فأغلب ظني أن رجلاً في الواحدة والسبعين من العمر لن يخطط لخلود السلطة الذي سعى له مبارك ولن يسعى لتوريث أو تمديد، وأرى أن الارجح والأقرب للتصديق أن الرجل يريد صناعة تاريخ وإسم مضئ، ولا يسعى لنهاية كنهاية مبارك، وسوف تظل صورة مبارك في قفص الإتهام ثابتة لا تفارق مخيلته، ودرس يستحيل نسيانه....
وعاودني الأمل إن أرى أهل المحروسة وقد إستفاقوا من تأثير مباخر الشيوخ، واستقامت ظهورهم بعد ركوع طال لآلاف السنين، ونفضوا التراب عن أدمغتهم واتخذوا قراراً أخيرا بإنقاذ مصرنا الني لاتزال تصارع الغرق...
يا أهالي المحروسة الكرام: كش ملك!
والله الموفق
محمد سمير في 17 يونيو 2012

الجمعة، 1 يونيو 2012

وشاح

وشاح



على الجانب الآخر من العالم، وفق ما يتيسر لي من حيز رؤية أسترقه من بين قضبان محبسي الأثير، ومع كل نسيم يدغدغ مخيلتي بين حين وآخر، يهفهف ذاك الوشاح المشتبك بأفرع تلك الشجرة العتيقة التي لم أبصر منها يوماً سوى قمم هذه الأفرع، ومعه تدور دوامة الشجون، فأعود لماض ذاب في مخيلتي القسم الأعظم من ملامحه. تحليق تلاه سقوط، حب مزقت أوصاله إخفاقات صار تذكرها اليوم أمر تصبغه الدهشة تارة، والمرارة تارة أخرى، أسر طالت أيامه حتى خانتني ذاكرتي على تذكر عددها، وبقى هذا الوشاح الرمادي المعلق على مبعد من محبسي رفيق سكوني ومؤنس غربتي.
من حين لآخر كانت تأتيني أصوات صخب او صراخ ضللت الطريق صوب تحديد مصدرها، هم إناس طبيعيون على أية حال، والبشر في هذا الزمان يميلون بطبيعتهم للصراخ في نقاشاتهم وضحكاتهم وأحزانهم، ولكن في تلك الليلة كان الصخب مرتفعاً عن كل يوم، ولكنه صخب تلاه سكون عميق، وعلى عكس المعتاد لم أغرق في سباتي اليومي بعد آذان العشاء، فقد كان اليأس متملكاً مني حتى النخاع، وكانت رغبتي المتأججة في كسر أسري قد بلغت أشدها، إلا أن أمراً ما قد زاد من حدة توتري المعتاد...
لم أتقبل نقدي لذاتي إذ حدثتني نفسي بأمر بدأت في ملاحظته مؤخراً وإن حرصت على أنكاره في نقاشي اليومي مع النفس، فحقيقة أنني قد بدأت في التعاطف مع السجان الذي يأتيني بالطعام والشراب كل يوم باتت تؤرقني، كان رجلاً في أواخر الخمسينات من العمر، بسمته لا تفارقه في أغلب الأحيان، والواقع أنه دائماً ما كان يتعامل بحنو ورقة غير مصطنعتين، إلا أنه كان وسوف يظل سجاني! لازالت أذكر لقائنا الأول حين قدمت لهذا المحبس في البدء، كان أصغر سناً بطبيعة الحال، وكان رأسه لايزال مكسواً بشعر اسود كثيف أنذاك، قبل أن تعدو السنون بنا سوياً في سباق محموم لا آخر له، وصولاً لصورته صباح اليوم، فارق الشعر الأسود معظم رأسه، واتشح ما تبقى منه بالبياض، وظلت إبتسامته كما هي. كنت قد لاحظت قبل عدة شهور ثمة حزن يكسو ملامحه الباسمة بطبيعتها، وأذكر أنني اقتربت منه وشرعت في محادثته بصوت خافت حينها، ولكنه آثر أن يواصل صمته، ربت على رأسي بحنان أبوي صادق، وغادر مبتسماً، وإن بدا وكأن تلك الإبتسامة القابعة على شفتيه منذ بدأ الخليقة قد تزحزحت قليلاً نحو اليمين أو اليسار، وددت أن أسأله يومها عن صاحبة الوشاح، وما آلت أليه أحوالها، اجتاحتني رغبة حقيقية في أن أحدثه عن هذا الوشاح الصديق!
حقيقة تعلقي بالسجان شغلتني، وكونه دائماً ما عاملني برفق خفف عني نقد الذات المختلط بالأسى، فعادت بي دوامتي إلى صاحبة الوشاح الرمادي، وسرت بجسدي قشعريرة باردة حين تذكرت تلك اللحظة، اللحظة الأولى، حين كان الوشاح مضموماً بيديها وهي مطلة من شرفة منزلها بتلك البناية الشاهقة البياض، البناية لم تكن يوماً على مقربة مني، ولكن صاحبة الوشاح جعلتها أقرب إلى ناظري في كل مرة وطأت بقدميها هذه الشرفة، شعر داكن السواد، وبشرة شاهقة البياض، جعلا من الوشاح وكأنه قد تشرب من كل منهما رشفات، فأمسى رمادياً لا يعكس شيئاً من الكآبة التي طالما أشعها اللون الرمادي على أنظار المارة في كل حدب وصوب، كل رمادي كئيب، إلا هذا الوشاح. ثمة أمر ما شغلها لثوان معدودة فارق خلالها الوشاح يديها الرقيقتين، وحلق مبتعداً لبضعة أمتار، حتى بدا وكأنه نادم على مفارقتها، حاول العودة فلم يتسنى له ذلك، فأستقر محبطاً على قمة تلك الشجر المورقة، التي طالما حلمت بأن أراها مكتملة، إذ لم أبصر منها عبر السنين سوى قمم أفرعها التي احتضنت الوشاح وآوته منذ أن فارق صاحبته.
ومنذ ذلك اليوم، ظل الوشاح متشبثاً بأفرع الشجرة، وأمست هذه الأفرع له بمثابة الأم. أمي! كم مر من وقت منذ رأيتها آخر مرة؟ كم كان قاسياً ذلك الفراق... ألازلت يا أمي كما أنتي؟ ألازلت تضحين بكل غال ورخيص من أجلي أنا وإخوتي؟ يا الله! كم هو قاس هذا الزمان، وكم هو قاتل أسري هذا.
عدت بناظري صوب الوشاح، واختفى صوت السجان الذي دائماً ما كان يأتيني من مبعد مني، طالما كان صاخباً وغاضباً بعكس طبيعته معي، وطالما طمأنني وجوده الصوتي، وإذ يخفت صوته ويتلاشى، تزداد الوحدة تغلغلاً في أوصالي، فأشعر بالخوف! وددت أن أناديه، وهممت بذلك، فهبت نسائم رقيقة تراقص معها الوشاح مجدداً فشغلني عن مناداة سجاني الحنون.
ذاك البناء قد أعيد طلاؤه عدة مرات، وشرفة صاحبة الوشاح تغيرت أيضاً، وكرسيها الهزاز لم يعد موجوداً في محله كما كان دائماً، مع ركض الأيام، صار الحلم بالعودة إلى دفء أمي وصحبة عائلتي بعيداً، واستبدلته بحلم الوصول إلى الوشاح وملاقاة صاحبته، تمنيت أن تخفت أبواق السيارات وتذوب في طيات حلمي هذا حتى تختفي، تمنيت أن أعانق هذه الشجرة الحانية، وأن أشاهدها مكتملة ولو لمرة واحدة، وطالما تخيلت أسفلها مروجاً وحدائق تشع بإخضرار طالما ألفته نفسي، مروج لا يبصر المرء لها آخراً، ولا يمل من مصاحبة نسائمها والإنغماس في هوائها، فقط لو تصمت أبواق هذه السيارات لكان الأمر ممكناً!
حتى جاء ذلك الصباح، جاءني السجان كعادته بالطعام والشراب، وضعهما في أماكنهما المعتادة، تناولت منه القليل كعادتي، حيث دائماً ما أتناول طعامي على دفعات متفاوتة خلال النهار، رشفت جرعات من الماء، وكان السجان يهم بمغادرة محبسي، ثمة ضجة صاخبة جاءت من الجانب الآخر حيث يأتيني السجان في كل مرة، لم أبصر خارج محبسي يوماً سوى هذا الممر الضيق الذي يأتيني منه السجان في كل مرة، ولم أرى يوماً غيره برغم أن الأصوات العالية التي تأتيني من حيث ينتهي – أو يبدأ - هذا الممر تكون دائماً لعدة أشخاص وليس فقط صوت السجان.
ولكن الأصوات هذه المرة كانت تنم عن ثمة أمر جلل إذ سبقها صوت إرتطام مخيف، فزع السجان وغادرني مهرولا صوب ما لا أبصر له آخر، قلقت لقلقه، ووددت لو عرضت عليه مساعدتي فيما قد حدث، ولكنني ترددت كعادتي حتى غاب عن ناظري، شردت لدقائق قبل أن ألحظ أنه قد ترك باب زنزانتي مفتوحاً!
تحركت في بطء غير مصدق ما أنا بصدده، حرية؟ بعد كل هذه السنين؟ أيكون الأمر بهذه السهولة؟ وقفت على باب الزنزانة، مددت رأسي للخارج، تحسست الطريق أمامي لأتأكد من واقع ما أراه، هرولت مسرعاً، ثم توقفت! هل يتأذى السجان من هروبي؟ هل يلحق به ضرر؟ هل يحزن؟ عصفت بي مشاعر مختلطة متناقضة، فها هي الحرية تناديني أخيراً، فهل يمكنني تجاهل نداء طالما أشتقت لمسمعه؟
حسمت أمري وأطلقت لساقي الريح، وكان أول ما دار بخاطري هو الوشاح، وصاحبة الوشاح، لم أدر كم مر علي من وقت حتى وجدت نفسي فوق قمة هذه الشجرة، لامست الوشاح الذي طالما أدهشني، وحيرني حقيقة أنه كم من شتاء وخريف قد مرا بهذا الوشاح ولم يقويا على زحزحته من مكمنه؟ كم من ريح ومطر جذباه بعنف ليفارق عرينه المخملي، إلا أن تشبثة بالأفرع وتمسكها به دائماً ما قهر أعتى الرياح وأقسى العواصف والأمطار... لامسته، قربته من وجهي، شممت فيه ثمة بقايا عطر إندثر منذ زمان بعيد، وتخيلت صاحبة الوشاح فأدرت رأسي صوب شرفتها، فوجدتها متسخة وعامرة بالأتربه، ثمة نافذة إلى جوار الشرفة لم يتح لي رؤيتها من قبل، وبالداخل كانت سيدة على مشارف الأربعين من العمر، ليس فيها مما تخيلت شيئاً، وفطنت لأن الشرفة مغلقة منذ زمن لحقيقة أنها قد تحولت إلى ما يشبه مخزن صغير، ثمة دراجة طفل مكسورة ملقاة بداخلها، ثمة أكياس شبكية تحوي بصل وثوم في أحد أركانها، وأشياء أخرى لم أميزها، ومن النافذة طالعت السيدة من جديد، كانت تبدو مجهدة، ونال اليأس من ثنايا وجهها الكثير، إضطربت حين أدركت أنها قد رأتني، ودهشت لإبتسامتها! كانت جميلة بحق ذات يوم، ولكن ماذا حدث؟ أحبطني مرآها، وحزنت لأجلها ودار برأسي ألف سؤال عما قد أحال حالها إلى ما رأيته الآن، كنت لازلت بين أغصان الشجرة وأفرعها الكثيفة الأوراق، نظرت أسفلي، كانت الشجرة معمرة بالفعل، وذهلت لمرأى الشارع بعد سنين من العزلة، ثمة كشك خشبي جعل من ساق الشجرة الكبير أحد جوانبه! وأطفال اسودت وجوههم من حرقة الشمس يبيعون المناديل الورقية على قائدي السيارات، وفي منتصف الشارع، كان هناك حادث بين سيارتين، كان مجرد إحتكاك بسيط كما ظننت، إحدى السيارتين هي سيارة أجرة يقودها كهل فارق الستين منذ زمن غير قصير، وفي السيارة الأخرى شاب في القسم الثاني من الثلاثينات، وعلمت أن معركة لو شبت بينهما فلن يكون هناك أي نوع من أنواع التكافؤ، وهذا ما حدث، أخرج الشاب الرجل العجوز عنوة من السيارة الأجرة بأن جذبه من تلابيب قميصه البالي، كان ظهر السائق العجوز مبللاً بالعرق وكاد ان يسقط ارضاً، أنهال الشاب على العجوز بوابل من سباب لم أسمع له مثيل من قبل، بيد أن هناك بعض الألفاظ التي لم أعرف لها معنىً من قبل، والمدهش أن العجوز قد بادله سباب بدا وكأنه أقذع مما بادره به الشاب كما استنتجت من شهيق النسوة اللاتي اصطففن للفرجة في منتصف الشارع غير مباليات بأبواق السيارات من خلفهن مطالبين بالمرور...
انتهت المعركة البدنية قبل أن تبدأ وبدا وكأن الطرفين قد اكتفيا بالمبارزة اللفظية التي نال كل منهما فيها قسطاً وافراً من أبشع السباب وأجهله، وغادرا في صمت! عاد الطريق للإنسياب، وعدت لمطالعة الأطفال مسودي الوجوه، بدا وكأن الحياة قد عادت لما كانت عليه.
ولكن هذه حياتهم هم، حياة الأطفال البؤساء وصاحب الكشك والسائق العجوز والشاب الثلاثيني، حياة صاحبة الوشاح، فأين حياتي أنا؟ حياتي التي سرقت منها لذنب لم أعرفه، وجرم لم ارتكبه! أخذت الوشاح من فوق أفرع الشجرة ولففته حول عنقي وغادرت الشجرة، حين أستوقفني صراخ السجان:
-         البغبغان طار... البغبغان هرب يا اولاد الكلب... شفتي آخرة عيالك وشقاوتهم يا أم أيمن... حرام عليكم...
نظرت للأعلى، واستعدت حساباتي الجغرافية لموقعي، رأيت وجه السجان الذي طالما أمددني بالحنان والعطف، شعرت بشفقة حقيقية تجاهه، رفرفت طائراً حتى وقفت أمامه على سور الشرفة، نظر نحوي بسعادة، فلم أتحرك، استجدتني نظراته، أشار بيده نحو قفصي الحديدي الفارغ طالباً مني الدخول، لم أتحرك: طرت ووقفت على كتفه، وأملت رأسي ورقبتي على رأسه، حاول أن يمسكني بيديه فطرت من جديد، وقفت على أحد أسلاك الكهرباء المارة من أمام شرفة منزله، استكان السجان وتحولت غضبته إلى إبتسامة حانية مألوفه، أومأ برأسه متفهما، وأشار لي بيده أن أطير، تأكدت من أنني قد أحكمت منقاري على الوشاح حيث لازالت أحمله، وتشبثت به بإحكام أكبر حين أدركت أنه كل ما يخصني من هذا العالم الغريب...
حلقت مرتفعا، ولم أنظر خلفي مجدداً كي لا أرى سجاني الحنون وهو يبكي لأول لمرة...

تمت
كتبت في مايو 2008
العمل مسجل بالشهر العقاري في يناير 2009 ضمن مجموهة قصصية بعنوان (وشاح)  - لم تنشر