الجمعة، 1 يونيو 2012

وشاح

وشاح



على الجانب الآخر من العالم، وفق ما يتيسر لي من حيز رؤية أسترقه من بين قضبان محبسي الأثير، ومع كل نسيم يدغدغ مخيلتي بين حين وآخر، يهفهف ذاك الوشاح المشتبك بأفرع تلك الشجرة العتيقة التي لم أبصر منها يوماً سوى قمم هذه الأفرع، ومعه تدور دوامة الشجون، فأعود لماض ذاب في مخيلتي القسم الأعظم من ملامحه. تحليق تلاه سقوط، حب مزقت أوصاله إخفاقات صار تذكرها اليوم أمر تصبغه الدهشة تارة، والمرارة تارة أخرى، أسر طالت أيامه حتى خانتني ذاكرتي على تذكر عددها، وبقى هذا الوشاح الرمادي المعلق على مبعد من محبسي رفيق سكوني ومؤنس غربتي.
من حين لآخر كانت تأتيني أصوات صخب او صراخ ضللت الطريق صوب تحديد مصدرها، هم إناس طبيعيون على أية حال، والبشر في هذا الزمان يميلون بطبيعتهم للصراخ في نقاشاتهم وضحكاتهم وأحزانهم، ولكن في تلك الليلة كان الصخب مرتفعاً عن كل يوم، ولكنه صخب تلاه سكون عميق، وعلى عكس المعتاد لم أغرق في سباتي اليومي بعد آذان العشاء، فقد كان اليأس متملكاً مني حتى النخاع، وكانت رغبتي المتأججة في كسر أسري قد بلغت أشدها، إلا أن أمراً ما قد زاد من حدة توتري المعتاد...
لم أتقبل نقدي لذاتي إذ حدثتني نفسي بأمر بدأت في ملاحظته مؤخراً وإن حرصت على أنكاره في نقاشي اليومي مع النفس، فحقيقة أنني قد بدأت في التعاطف مع السجان الذي يأتيني بالطعام والشراب كل يوم باتت تؤرقني، كان رجلاً في أواخر الخمسينات من العمر، بسمته لا تفارقه في أغلب الأحيان، والواقع أنه دائماً ما كان يتعامل بحنو ورقة غير مصطنعتين، إلا أنه كان وسوف يظل سجاني! لازالت أذكر لقائنا الأول حين قدمت لهذا المحبس في البدء، كان أصغر سناً بطبيعة الحال، وكان رأسه لايزال مكسواً بشعر اسود كثيف أنذاك، قبل أن تعدو السنون بنا سوياً في سباق محموم لا آخر له، وصولاً لصورته صباح اليوم، فارق الشعر الأسود معظم رأسه، واتشح ما تبقى منه بالبياض، وظلت إبتسامته كما هي. كنت قد لاحظت قبل عدة شهور ثمة حزن يكسو ملامحه الباسمة بطبيعتها، وأذكر أنني اقتربت منه وشرعت في محادثته بصوت خافت حينها، ولكنه آثر أن يواصل صمته، ربت على رأسي بحنان أبوي صادق، وغادر مبتسماً، وإن بدا وكأن تلك الإبتسامة القابعة على شفتيه منذ بدأ الخليقة قد تزحزحت قليلاً نحو اليمين أو اليسار، وددت أن أسأله يومها عن صاحبة الوشاح، وما آلت أليه أحوالها، اجتاحتني رغبة حقيقية في أن أحدثه عن هذا الوشاح الصديق!
حقيقة تعلقي بالسجان شغلتني، وكونه دائماً ما عاملني برفق خفف عني نقد الذات المختلط بالأسى، فعادت بي دوامتي إلى صاحبة الوشاح الرمادي، وسرت بجسدي قشعريرة باردة حين تذكرت تلك اللحظة، اللحظة الأولى، حين كان الوشاح مضموماً بيديها وهي مطلة من شرفة منزلها بتلك البناية الشاهقة البياض، البناية لم تكن يوماً على مقربة مني، ولكن صاحبة الوشاح جعلتها أقرب إلى ناظري في كل مرة وطأت بقدميها هذه الشرفة، شعر داكن السواد، وبشرة شاهقة البياض، جعلا من الوشاح وكأنه قد تشرب من كل منهما رشفات، فأمسى رمادياً لا يعكس شيئاً من الكآبة التي طالما أشعها اللون الرمادي على أنظار المارة في كل حدب وصوب، كل رمادي كئيب، إلا هذا الوشاح. ثمة أمر ما شغلها لثوان معدودة فارق خلالها الوشاح يديها الرقيقتين، وحلق مبتعداً لبضعة أمتار، حتى بدا وكأنه نادم على مفارقتها، حاول العودة فلم يتسنى له ذلك، فأستقر محبطاً على قمة تلك الشجر المورقة، التي طالما حلمت بأن أراها مكتملة، إذ لم أبصر منها عبر السنين سوى قمم أفرعها التي احتضنت الوشاح وآوته منذ أن فارق صاحبته.
ومنذ ذلك اليوم، ظل الوشاح متشبثاً بأفرع الشجرة، وأمست هذه الأفرع له بمثابة الأم. أمي! كم مر من وقت منذ رأيتها آخر مرة؟ كم كان قاسياً ذلك الفراق... ألازلت يا أمي كما أنتي؟ ألازلت تضحين بكل غال ورخيص من أجلي أنا وإخوتي؟ يا الله! كم هو قاس هذا الزمان، وكم هو قاتل أسري هذا.
عدت بناظري صوب الوشاح، واختفى صوت السجان الذي دائماً ما كان يأتيني من مبعد مني، طالما كان صاخباً وغاضباً بعكس طبيعته معي، وطالما طمأنني وجوده الصوتي، وإذ يخفت صوته ويتلاشى، تزداد الوحدة تغلغلاً في أوصالي، فأشعر بالخوف! وددت أن أناديه، وهممت بذلك، فهبت نسائم رقيقة تراقص معها الوشاح مجدداً فشغلني عن مناداة سجاني الحنون.
ذاك البناء قد أعيد طلاؤه عدة مرات، وشرفة صاحبة الوشاح تغيرت أيضاً، وكرسيها الهزاز لم يعد موجوداً في محله كما كان دائماً، مع ركض الأيام، صار الحلم بالعودة إلى دفء أمي وصحبة عائلتي بعيداً، واستبدلته بحلم الوصول إلى الوشاح وملاقاة صاحبته، تمنيت أن تخفت أبواق السيارات وتذوب في طيات حلمي هذا حتى تختفي، تمنيت أن أعانق هذه الشجرة الحانية، وأن أشاهدها مكتملة ولو لمرة واحدة، وطالما تخيلت أسفلها مروجاً وحدائق تشع بإخضرار طالما ألفته نفسي، مروج لا يبصر المرء لها آخراً، ولا يمل من مصاحبة نسائمها والإنغماس في هوائها، فقط لو تصمت أبواق هذه السيارات لكان الأمر ممكناً!
حتى جاء ذلك الصباح، جاءني السجان كعادته بالطعام والشراب، وضعهما في أماكنهما المعتادة، تناولت منه القليل كعادتي، حيث دائماً ما أتناول طعامي على دفعات متفاوتة خلال النهار، رشفت جرعات من الماء، وكان السجان يهم بمغادرة محبسي، ثمة ضجة صاخبة جاءت من الجانب الآخر حيث يأتيني السجان في كل مرة، لم أبصر خارج محبسي يوماً سوى هذا الممر الضيق الذي يأتيني منه السجان في كل مرة، ولم أرى يوماً غيره برغم أن الأصوات العالية التي تأتيني من حيث ينتهي – أو يبدأ - هذا الممر تكون دائماً لعدة أشخاص وليس فقط صوت السجان.
ولكن الأصوات هذه المرة كانت تنم عن ثمة أمر جلل إذ سبقها صوت إرتطام مخيف، فزع السجان وغادرني مهرولا صوب ما لا أبصر له آخر، قلقت لقلقه، ووددت لو عرضت عليه مساعدتي فيما قد حدث، ولكنني ترددت كعادتي حتى غاب عن ناظري، شردت لدقائق قبل أن ألحظ أنه قد ترك باب زنزانتي مفتوحاً!
تحركت في بطء غير مصدق ما أنا بصدده، حرية؟ بعد كل هذه السنين؟ أيكون الأمر بهذه السهولة؟ وقفت على باب الزنزانة، مددت رأسي للخارج، تحسست الطريق أمامي لأتأكد من واقع ما أراه، هرولت مسرعاً، ثم توقفت! هل يتأذى السجان من هروبي؟ هل يلحق به ضرر؟ هل يحزن؟ عصفت بي مشاعر مختلطة متناقضة، فها هي الحرية تناديني أخيراً، فهل يمكنني تجاهل نداء طالما أشتقت لمسمعه؟
حسمت أمري وأطلقت لساقي الريح، وكان أول ما دار بخاطري هو الوشاح، وصاحبة الوشاح، لم أدر كم مر علي من وقت حتى وجدت نفسي فوق قمة هذه الشجرة، لامست الوشاح الذي طالما أدهشني، وحيرني حقيقة أنه كم من شتاء وخريف قد مرا بهذا الوشاح ولم يقويا على زحزحته من مكمنه؟ كم من ريح ومطر جذباه بعنف ليفارق عرينه المخملي، إلا أن تشبثة بالأفرع وتمسكها به دائماً ما قهر أعتى الرياح وأقسى العواصف والأمطار... لامسته، قربته من وجهي، شممت فيه ثمة بقايا عطر إندثر منذ زمان بعيد، وتخيلت صاحبة الوشاح فأدرت رأسي صوب شرفتها، فوجدتها متسخة وعامرة بالأتربه، ثمة نافذة إلى جوار الشرفة لم يتح لي رؤيتها من قبل، وبالداخل كانت سيدة على مشارف الأربعين من العمر، ليس فيها مما تخيلت شيئاً، وفطنت لأن الشرفة مغلقة منذ زمن لحقيقة أنها قد تحولت إلى ما يشبه مخزن صغير، ثمة دراجة طفل مكسورة ملقاة بداخلها، ثمة أكياس شبكية تحوي بصل وثوم في أحد أركانها، وأشياء أخرى لم أميزها، ومن النافذة طالعت السيدة من جديد، كانت تبدو مجهدة، ونال اليأس من ثنايا وجهها الكثير، إضطربت حين أدركت أنها قد رأتني، ودهشت لإبتسامتها! كانت جميلة بحق ذات يوم، ولكن ماذا حدث؟ أحبطني مرآها، وحزنت لأجلها ودار برأسي ألف سؤال عما قد أحال حالها إلى ما رأيته الآن، كنت لازلت بين أغصان الشجرة وأفرعها الكثيفة الأوراق، نظرت أسفلي، كانت الشجرة معمرة بالفعل، وذهلت لمرأى الشارع بعد سنين من العزلة، ثمة كشك خشبي جعل من ساق الشجرة الكبير أحد جوانبه! وأطفال اسودت وجوههم من حرقة الشمس يبيعون المناديل الورقية على قائدي السيارات، وفي منتصف الشارع، كان هناك حادث بين سيارتين، كان مجرد إحتكاك بسيط كما ظننت، إحدى السيارتين هي سيارة أجرة يقودها كهل فارق الستين منذ زمن غير قصير، وفي السيارة الأخرى شاب في القسم الثاني من الثلاثينات، وعلمت أن معركة لو شبت بينهما فلن يكون هناك أي نوع من أنواع التكافؤ، وهذا ما حدث، أخرج الشاب الرجل العجوز عنوة من السيارة الأجرة بأن جذبه من تلابيب قميصه البالي، كان ظهر السائق العجوز مبللاً بالعرق وكاد ان يسقط ارضاً، أنهال الشاب على العجوز بوابل من سباب لم أسمع له مثيل من قبل، بيد أن هناك بعض الألفاظ التي لم أعرف لها معنىً من قبل، والمدهش أن العجوز قد بادله سباب بدا وكأنه أقذع مما بادره به الشاب كما استنتجت من شهيق النسوة اللاتي اصطففن للفرجة في منتصف الشارع غير مباليات بأبواق السيارات من خلفهن مطالبين بالمرور...
انتهت المعركة البدنية قبل أن تبدأ وبدا وكأن الطرفين قد اكتفيا بالمبارزة اللفظية التي نال كل منهما فيها قسطاً وافراً من أبشع السباب وأجهله، وغادرا في صمت! عاد الطريق للإنسياب، وعدت لمطالعة الأطفال مسودي الوجوه، بدا وكأن الحياة قد عادت لما كانت عليه.
ولكن هذه حياتهم هم، حياة الأطفال البؤساء وصاحب الكشك والسائق العجوز والشاب الثلاثيني، حياة صاحبة الوشاح، فأين حياتي أنا؟ حياتي التي سرقت منها لذنب لم أعرفه، وجرم لم ارتكبه! أخذت الوشاح من فوق أفرع الشجرة ولففته حول عنقي وغادرت الشجرة، حين أستوقفني صراخ السجان:
-         البغبغان طار... البغبغان هرب يا اولاد الكلب... شفتي آخرة عيالك وشقاوتهم يا أم أيمن... حرام عليكم...
نظرت للأعلى، واستعدت حساباتي الجغرافية لموقعي، رأيت وجه السجان الذي طالما أمددني بالحنان والعطف، شعرت بشفقة حقيقية تجاهه، رفرفت طائراً حتى وقفت أمامه على سور الشرفة، نظر نحوي بسعادة، فلم أتحرك، استجدتني نظراته، أشار بيده نحو قفصي الحديدي الفارغ طالباً مني الدخول، لم أتحرك: طرت ووقفت على كتفه، وأملت رأسي ورقبتي على رأسه، حاول أن يمسكني بيديه فطرت من جديد، وقفت على أحد أسلاك الكهرباء المارة من أمام شرفة منزله، استكان السجان وتحولت غضبته إلى إبتسامة حانية مألوفه، أومأ برأسه متفهما، وأشار لي بيده أن أطير، تأكدت من أنني قد أحكمت منقاري على الوشاح حيث لازالت أحمله، وتشبثت به بإحكام أكبر حين أدركت أنه كل ما يخصني من هذا العالم الغريب...
حلقت مرتفعا، ولم أنظر خلفي مجدداً كي لا أرى سجاني الحنون وهو يبكي لأول لمرة...

تمت
كتبت في مايو 2008
العمل مسجل بالشهر العقاري في يناير 2009 ضمن مجموهة قصصية بعنوان (وشاح)  - لم تنشر



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق