الجمعة، 21 ديسمبر 2012
الخميس، 13 ديسمبر 2012
رذاذ
رذاذ
تعودت من الصغر أن أعشق المطر، وتلقائياً فقد
كان مرأى الغيوم الداكنة يبعث في نفسي شعوراً غامضاً بالراحة. كان أغلب الأطفال
يرتعدون لسماع دوي الرعد ويرهبهم لقاء البرق الخاطف إلا أنا! كنت أستمتع دوماً
بالرقص تحت المطر غير آبه بالبرد والبلل!
وحتى عندما جاوزت منتصف الثلاثينات من عمري، كنت
لاأزال أمارس نفس السلوك الطفولي، نفس الجنون والجموح، نفس الرغبة في أن يتشرب
جسدي بقطرات الحرية حتى يثمل!
واليوم ارى غيمات تتكاثر وتحجب زرقة السماء، داكنة
كما لم تكن من قبل، يختلجني بعض من جنون الماضي، ويناديني ذاك الطفل الذي لم يبرح
يوماً أعماقي طالباً الخروج، أطالبه بالتأني، فاليوم ليس شبيهاً بالبارحة، يصر
فأصر، يعاند فأعاند، وأشعر للمرة الأولى بخوف من مطر قادم!
جسدي قد سدت مسامه، ولهيب الجرأة قد خفت ولم
يبق منه سوى بعض من رماد واهن، والطفل الذي يلح على مسامعي لا يدرك أنه بات اليوم
ضعيفاً مريضاً، ولا يستوعب أنني بمنعي أياه – فقط – أخشى عليه من الموت، أو أن
تعصف به رياح المطر فيرحل عني ولا يعود!
أنظر في عيني ولدي، فأرى أمسي، وأرى نفس
الطفل الساكن في خلايايا، يقلقني ما يخبأه له الغد فاحتصنه، أحميه من المطر،
وألقنه أن يبتعد دوماً عنه، وألا يترك جسده الصغير ليتشرب من قطراته مثلما تشربت
أنا، وأعود فأتردد، ماذا أنا بفاعل؟
أستشعر من اشتداد الريح قرب مولد المطر، أدثر
ولدي وأحكم غطاءه، أضعه في سريره الهزاز وألتفت لأواجه البرق عبر النافذة، تتعالى
دقات قلبي، يهطل المطر فأتراجع، وأعود بضعة خطوات إلى الخلف، أسترجع طفولتي في
ثوان معدودة، يصرخ ذاك الطفل بداخلي، ويقاتل ساعياً للخروج، تناديه قطرات المطر فتزداد
مقاومته عنفاً، الحرية تناديه وأنا أقف بينهما حائراً خائفاً ضعيفاً، تنقض الريح
على إطار النافذة فتنزعه، تمزق قميصي وتكبلني، أواصل الصمود بصدر عار، أقاوم،
وأتذكر...
تمتزج في غضون لحظات صور من الأمس واليوم،
أرى أبي يافعاً مقبلاً نحو المطر وأراه كهلاً عجوزاً مدبراً صوب شرفة المنزل
القديم، وأميز بين الصورتين في عينيه نفس البريق، أزيح عن وجهه التجاعيد، فأرى
صورتي أنا! يشعل أبي سيجارته ويخاطبني: "مش قولتلك انت في وشك قتيل؟"،
تدافع أمي عني، وبركض أخي مبتعداً. أنظر إلى زميلتي في الصف الثالث الإبتدائي، أناولها
قلمي الرصاص الجديد وأهمس لها أنني أحبها، فيحمر وجهها خجلاً! تلاحظ المعلمة همس الطفولة
العاشق فتنهرنا وتفصل بيننا وهي أسيرة ذهول غاضب! يظهر جدي في المشهد يتناول إفطاره
في هدوء معتاد، يلوك في فمه قطعة خبز مغمسة ببعض من الجبن، يتمتم باسماً: "من
لم يمت بالسيف مات بغيره!"، أغادرهم جميعاً فأجدني ألهو في حديقة المنزل مع
أخي، تقاطعنا أصوات إنفجارات، تحملنا أمي ونجلس جميعاً تحت طاولة السفرة، ألمح
هطول المطر فانشغل عن الغارة وأصوات مدافع الحرب وأشعر بالارتياح يعتريني ويغمرني،
أنعزل عن المحيطين بي ويذهلني الارتياع فوق قسمات وجوههم! أشرع في الغناء فيستكين
الجميع، تأتي من بعيد صافرة الأمان فيهللون ولا ألحظها من فرط إنشغالي بمتابعة
المطر المتساقط، نلهو من جديد، فتهمس أمي لأبي ضاحكة: "الواد بيحب وهو في
تالته إبتدائي"
يبكي ولدي فأعود لمصارعة الريح، أقلل من
مقاومتي طواعية، يوشك الطفل القابع بداخلي على الخروج، أنظر إليه معاتباً فترجوني
نظراته ألا أمنعه، تناديه زميلة الصف غاضبة بعد أن باعدت بيننا المعلمة، يصرخ، فأشعر
بمسام جسدي العاري تتفتح من جديد فيغيب عني شعور بالبرد كاد أن يجمدني. تستشعر
الريح أنني على مشارف الإستسلام فتتركني لاهثاً باسماً في ذات الوقت، وتقف خارج
النافذة منتظرة قراري الأخير...
أقبل ولدي، أتمتم في إذنيه متراجعاً ألا يخشى
المطر يوماً، أطلب منه الغفران، أزرر قميصي مجدداً، أركض صوب النافذة، أشعر بجسدي
ينكمش حتى يحتلني ذاك الطفل المشاغب، ألمح في زجاج النافذة وجهه فوق كتفي، قد صرناً
جسداً واحداً من جديد، يلامس وجهنا رذاذ المطر فيغمرنا شعور غامض باللذة، يعود
الطفل إلى الواجهة وأذوب أنا في خلاياه، أشعر أنني أقترب، يشتد المطر، ويزداد
الرذاذ، ألمح زميلة الصف تلهو من بعيد تحت المطر، القلم الرصاص لا يزال جديداً بين
أناملها، أبصر الأرض بعيدة والعامة يختبئون من المطر هنا وهناك...
لا أبالي... وأقفز... لأعيش...
أبو كريم
12/12/2012
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)











